عادَت أمُّه بعد 11 عامًا لتأخذ ملايينه… لكنها لم تكن تعلم أن طفل التوحّد الذي تركته كان يحتفظ بكل شيء بالصوت والصورة!


رمادية، شعرها مرفوع، وتحمل ملفًا رسميًا. وخلفها رجل يحمل بطاقة تعريف.
قالت
مساء الخير. أنا الأستاذة هبة العابد، من وحدة حماية الأسرة والطفل.
شعرت أن روحي خرجت من جسدي.
من اتصل بكِ؟
رفع ياسر يده.
أنا. في الساعة الحادية عشرة واثنتين وأربعين دقيقة. قبل أن تصل ريم.
نظرت الأستاذة هبة إلى ريم، ثم إليّ، ثم إلى ياسر.
وصلنا بلاغ عن احتمال وجود خطړ عائلي ومالي على قاصر. كما أُبلغنا بوجود حالة من طيف التوحد والحاجة إلى تهيئة مناسبة أثناء أي مقابلة.
فتحت ريم عينيها بدهشة.
هذه مؤامرة.
لم تتأثر الموظفة.
لا يا سيدتي. هذا إجراء.
أعاد ياسر سماعاته إلى أذنيه، لكنه ترك واحدة مرفوعة قليلًا. هذا كان يعني أنه يريد أن يواصل السماع، لكن العالم أصبح صاخبًا أكثر مما ينبغي.
لاحظت الأستاذة هبة ذلك.
فخفضت صوتها.
ياسر، هل تريد أن نواصل هنا أم تفضّل مكانًا آخر؟
أشار حفيدي إلى غرفة الجلوس.
هنا. مع أمينة.
لم يقل جدتي.
قال اسمي.
لكنها في فمه بدت كأنها كلمة بيت.
وقفت ريم.
لن أسمح أن يهينني أحد.
فتحت الأستاذة هبة ملفها.
لا أحد يهينكِ. نحن نوثّق حالة. سيكون بإمكانكِ الإدلاء بأقوالك.
صړخت ريم
أنا جئت من أجل ابني!
ضغط ياسر أصابعه على الجهاز اللوحي.
رأيت ذلك.
كانت إشارة صغيرة.
تغيّر تنفسه.
الضجيج، والأصوات، والانفعالات كل شيء بدأ يرتفع حوله مثل موجة.
اقتربت منه ببطء.
يا بني، انظر إلى الستارة الزرقاء.
أدار وجهه قليلًا.
في بيتنا كانت هناك ستارة زرقاء خصيصًا لهذا الأمر. كي يثبت نظره عليها عندما يفقد العالم شكله.
همست
واحد اثنان ثلاثة.
تنفس معي.
نظرت إلينا ريم بانزعاج.
دائمًا تعاملينه كأنه زجاج.
عندها رفع ياسر رأسه.
أنا لست زجاجًا.
خرج صوته أوضح من أي مرة.
أنا ذاكرة.
لم يتحرك أحد.
تابع
أتذكر السترة الحمراء التي كنتِ ترتدينها يوم رحلتِ. أتذكر أن رائحتكِ كانت عطر الفانيلا. أتذكر أن أمينة بكت دون صوت لأنها ظنت أنني نائم. أتذكر أول يوم لي دونكِ. وأتذكر كل الأيام التي عشتها دونكِ.
بدأت ريم تهز رأسها.
كنت أريد العودة.
لم تعودي.
لم أستطع.
لم تريدي.
كان الأمر صعبًا!
كنت طفلًا.
انتزعت الجملة الهواء من البيت كله.
حتى المحاميان خفضا نظريهما.
لمس ياسر صدره بإصبعين، كما كان يفعل عندما يحاول تسمية شيء يؤلمه.
كنت صعبًا لكنني كنت طفلًا.
وضعت ريم يدها على فمها.
ربما سمعت أخيرًا ما رفضت سماعه طوال سنوات.
وربما أدركت فقط أن تمثيلها ينهار.
لا أعرف.
ولم يعد الأمر يهمني.
طلبت الأستاذة هبة الحديث مع ياسر. وافق بشرط أن أكون حاضرة، وأن لا يقاطعه أحد. جلسنا في المطبخ، حيث كانت رائحة الأرز الأبيض والقرفة تملأ المكان، لأنني كنت أضع القرفة دائمًا حين أشعر بالتوتر.
في الخارج، كانت ريم تتجادل بصوت منخفض مع محاميها.
سمعت كلمات متقطعة
دعوى.
مال.
الصورة أمام الناس.
تسوية.
لكن في المطبخ كان هناك شيء آخر.
كان هناك صدق.
سألت الأستاذة هبة ياسر بهدوء من يعتني به؟ من يحضّر طعامه؟ من يأخذه إلى الطبيب؟ من يعرف نوباته؟ من يحترم صمته؟
أجاب دون تزيين
أمينة.
سألته
هل تريد أن تعيش مع ريم؟
لا.
هل تريد أن تراها؟
تأخر ياسر في الرد.
نظر إلى يديه.
ثم نظر إلى كوب الطين الذي اشتريته من سوق قديم، الكوب الذي كان يحب أن يشرب فيه الحليب الدافئ أيام الأحد.
قال
ليس الآن.
لماذا؟
لأنها لم تأتِ لرؤيتي. جاءت من أجل المال.
كتبت الأستاذة هبة ملاحظتها.
وبكيت أنا دون صوت.
مدّ ياسر يده ولمس ذراعي.
لا بأس يا أمينة.
لكن كان هناك بأس.
كان هناك كل شيء.
كان هناك خوف حملته أحد عشر عامًا من أن أموت وأتركه بلا حماية.
وكان هناك كل مرة نظرت فيها إلى بيوت عمّان القديمة وتمنيت أن