عادَت أمُّه بعد 11 عامًا لتأخذ ملايينه… لكنها لم تكن تعلم أن طفل التوحّد الذي تركته كان يحتفظ بكل شيء بالصوت والصورة!


أكون لياسر كالحجر فوق الحجر، ثابتة مهما عضّ الزمن أطرافي.
وفجأة اكتشفت أنه هو أيضًا كان يبني.
لم يكن يبني جدرانًا.
كان يبني أدلة.
وطرقًا.
ومخارج.
عندما عدنا إلى غرفة الجلوس، كانت ريم واقفة قرب الباب.
كان وجهها قاسيًا.
قالت
أنا مستعدة للوصول إلى اتفاق.
رفع الأستاذ سامر حاجبه.
أي اتفاق؟
قالت
أتنازل عن الحضانة إذا حصلت على تعويض. تعويض عن السنوات التي خسرتها كأم.
شعرت بالغثيان.
أغلقت الأستاذة هبة قلمها.
وأغلق محامي ريم عينيه.
حتى هو بدا متعبًا منها.
أمال ياسر رأسه.
كم ثمن أن تتركيني؟
لم تجب ريم.
قال
قولي. أحتاج إلى الرقم.
لم أقل الأمر بهذه الطريقة.
لكنك فكرتِ به بهذه الطريقة.
فقدت ابنتي صبرها.
أنا من أعطيتك الحياة!
خلع ياسر سماعاته تمامًا.
وهذا أخافني أكثر من أي صړاخ.
قال
أمينة علّمتني كيف أعيشها.
رفعت ريم يدها.
لا أعرف إن كانت ستشير إليه، أو تسكته، أو ټضرب الطاولة.
لكنها لم تصل إلى شيء.
تقدمت الأستاذة هبة خطوة.
سيدة ريم، تم تدوين ذلك. أنصحكِ ألا تتابعي.
أمسكها محاميها من ذراعها.
لنذهب.
قالت
لا.
كرر
ريم، لنذهب.
نظرت إليّ بكراهية.
أنتِ جعلته ضدي.
وللمرة الأولى منذ أحد عشر عامًا، لم تؤلمني كلماتها.
قلت
لا يا ابنتي. أنتِ تركتِه بعيدًا عنكِ، وانتظرتِ أن يعيده المال إليكِ.
التوى وجهها.
ستندمين.
شغّل ياسر التلفاز مرة أخرى.
ظهرت كاميرا المراقبة عند المدخل.
كل ما حدث منذ وصول ريم كان مسجلًا.
بما في ذلك ټهديدها.
تنهد الأستاذ سامر.
سيدتي، أرجوكِ لا ټغرقي أكثر.
نظرت ريم إلى الشاشة.
ثم إلى البيت.
ثم إلى ياسر.
كانت هناك ثانية واحدة، ثانية فقط، ظننت فيها أنها ستعتذر.
اعتذارًا حقيقيًا.
متواضعًا.
متأخرًا، لكنه إنساني.
لكنها أمسكت حقيبتها، وعدّلت شعرها، وقالت
الأمر لن ينتهي هنا.
أُغلق الباب خلفها.
وغادرت السيارة البيضاء، تاركة خلفها رائحة الوقود والعطر الغالي.
لم يتكلم أحد لبعض الوقت.
في الخارج، بقيت عمّان هادئة، بذلك الهدوء المخادع للمدن الكبيرة. سمعنا بائعًا ينادي على الخبز. ومن بعيد نبح كلب. وفي المطبخ بدأ الأرز يلتصق بقاع القدر.
ركضت لإطفاء الڼار.
كانت يداي ترتجفان لدرجة أنني كدت أسقط الغطاء.
وعندما عدت، كان ياسر ما زال جالسًا.
الجهاز اللوحي مطفأ.
ونظره ثابت على الستارة الزرقاء.
جلست على ركبتي أمامه، دون أن أقتحم مساحته.
يا بني.
تأخر في الرد.
رأسي يؤلمني.
أجهز لك غرفتك.
لا.
نظر إليّ.
كانت عيناه جافتين، لكنهما متعبتان.
هل فعلت الصواب؟
انكسرت.
ليس پبكاء جميل.
بل بنشيج قديم، نابع من سنوات طويلة.
فعلت أكثر مما استطعنا جميعًا فعله.
فكر في الجملة.
ثم قال
كنت خائفًا.
وأنا أيضًا.
لم أرد أن تأخذ منكِ البيت.
هذا البيت لا يساوي شيئًا أمامك.
قطّب جبينه.
بل يساوي. فيه حديقة. وإضاءة قابلة للتخفيف.
ضحكت وأنا أبكي.
وابتسم هو قليلًا.
خط صغير جدًا، يكاد لا يُرى.
لكنه بالنسبة لي كان فجرًا.
في تلك الليلة، تركت الأستاذة هبة إجراءات حماية مؤقتة. لم يعد بإمكان ريم الاقتراب دون إشعار أو ضغط. وسيبدأ إجراء لمراجعة التخلي، وحماية ياسر، وتثبيت ما كان حقيقة بلا ختم طوال أحد عشر عامًا
أنني كنت بيته.
بقي الأستاذ سامر حتى وقت متأخر.
راجع الصندوق الائتماني، والأوراق الموثقة، والأدلة. شرح لي أن الطريق ما زال طويلًا، وأن المحاكم ليست عصا سحرية، وأن العدالة كثيرًا ما تمشي ببطء وتعب.
لكنها تمشي.
والآن صار لدينا شيء لم يكن لدينا من قبل.
صوت ياسر.
في اليوم التالي، قبل الذهاب إلى الجهة المختصة، أعددت له فطوره المفضل أرز، وبيض دون أطراف محمرة، وموز مقطع إلى دوائر متساوية. رتّب كل دائرة كأنها كوكب.
قال
أمينة.
نعم يا بني؟
عندما أبلغ الثامنة عشرة، أريد أن أنشئ مؤسسة.
من أجل ماذا؟
من أجل الجدات بلا أوراق.
شعرت بضړبة في صدري.
الجدات بلا أوراق؟
نعم. اللواتي يعتنين، لكن القانون لا يراهن بسرعة. ومن أجل الأطفال الذين لا يستطيعون الشرح.
جلست