عادَت أمُّه بعد 11 عامًا لتأخذ ملايينه… لكنها لم تكن تعلم أن طفل التوحّد الذي تركته كان يحتفظ بكل شيء بالصوت والصورة!


أمامه.
كان ضوء الصباح يدخل ناعمًا من النافذة. وفي الحديقة كانت الأزهار تتحرك مع الهواء.
قلت له
أمك لم تستطع أن تأخذ منك شيئًا.
رفع نظره.
بل استطاعت.
تجمدت.
ماذا أخذت؟
قال
سنوات.
لم أعرف ماذا أقول.
أخذ قطعة موز ووضعها في طبقي.
لكنها لم تستطع أن تأخذكِ مني.
في ذلك اليوم، مشينا في وسط عمّان بعد الموعد. مررنا بشوارع مزدحمة، ومحال صغيرة، وباعة يبيعون الخبز والقهوة، وناس يلتقطون الصور تحت الشمس. كان ياسر يضع سماعاته وقبعة رمادية. وكنت أحمل ملفه ملتصقًا بصدري كما كنت أحمل حفاضاته وتشخيصاته ومخاوفه من قبل.
توقفنا أمام درجٍ حجري قديم.
عدّ ياسر الدرجات بصوت منخفض.
لم أقاطعه.
وعندما انتهى، قال
الشيء يبدو قويًا لأن هناك أشياء كثيرة تسنده.
نظرت إليه.
هكذا نحن.
هز رأسه.
لا. أنتِ سندتِ أولًا.
اشترينا حلوى صغيرة من محل قريب. جرّب ملعقتين فقط لأن قوامها لم يعجبه، لكنه قال إن لونها مريح. وللاحتفال، طلب أن نصنع الفطائر يوم الأحد، لا من أجل الحاجة، بل من أجل المتعة.
وهكذا فعلنا.
في يوم الأحد، امتلأ المطبخ بالعجين والبخار والرائحة الدافئة. كنت أبيع الفطائر سابقًا كي ننجو. أما تلك المرة، فصنعتها كي أتذكر أننا نجونا.
صمم ياسر ملصقًا جديدًا للأكياس
فطائر أمينة مصنوعة بالصبر.
سألته
لماذا الصبر؟
ربط الكيس بصعوبة.
لأنه المكوّن الأساسي.
بعد أشهر، استمع القاضي إلى ياسر.
حضرت ريم دون كعب عالٍ. دون حقيبة فاخرة. دون ابتسامة. تحدث محاميها قليلًا. أما محامينا، فقدم كل شيء التخلي، انقطاع التواصل، غياب أي مساهمة، محاولة الوصول إلى المال، الټهديد المسجل، وتقييم وحدة الحماية.
وعندما سألوا ياسر ماذا يريد، أخذ وقته.
انتظرت القاعة.
وانتظرت أنا.
قال
أريد أن أعيش مع أمينة. أريد ألا تدير ريم مالي. أريد أن أقرر لاحقًا إن كنت سأراها. وأريد ألا يقول أحد إنني لا أفهم فقط لأنني أتكلم بطريقة مختلفة.
صمت القاضي.
ثم أومأ.
لم يكن المشهد مثل الأفلام.
لم يكن هناك تصفيق.
ولم تعزف موسيقى.
لكن عندما صدرت التدابير، وعندما اعترفوا برعايتي، وعندما حُمِيَت أمواله، وعندما قيل بوضوح إن الأمومة البيولوجية لا تمحو أحد عشر عامًا من التخلي، شعرت أن الأرض تعود تحت قدميّ.
خرجت ريم بسرعة.
وفي الممر لحقت بي.
أمي.
توقفت.
كان ياسر يمشي مع الأستاذ سامر على بعد خطوات، ولم يلتفت.
كانت عينا ريم حمراوين.
لم أعرف هل كان ذلك من الڠضب أم من الحزن.
قالت
هل لن يسامحني أبدًا؟
نظرت إليها.
رأيت ابنتي.
ورأيت المرأة التي سړقت نومي.
ورأيت الأم التي لم تعرف كيف تكون أمًا.
ورأيت أيضًا تلك الطفلة التي ربيتها وهي تظن أن الحب سيكون حاضرًا كلما قررت العودة.
قلت
لا أعرف. لكن إذا سامحك يومًا، فسيكون ذلك من أجله هو لا من أجلك.
خفضت رأسها.
لا أعرف كيف أكلمه.
قلت
ابدئي دون أن تطلبي شيئًا.
لم تجب.
واصلت المشي.
كان ياسر ينتظرني في نهاية الممر، تحت نافذة يدخل منها ضوء أبيض. كانت سماعاته في أذنيه وكتفاه مشدودين، لكنه كان هناك.
كان ينتظرني.
سأل
جاهزة؟
ابتسمت.
جاهزة.
قال
في الخارج ضجيج.
كثير.
إذًا نمشي ببطء.
خرجنا معًا.
كانت الشارع مليئًا بالسيارات، والباعة، والناس المستعجلين، والحياة. كان العالم ما زال عالي الصوت عليه، وما زال قاسيًا عليّ. لكننا لم نعد مختبئين تحت الطاولة.
عند الزاوية، أمسك ياسر يدي.
ثلاث ثوانٍ فقط.
لكنها كانت كافية.
قال
أمينة.
نعم يا بني؟
يمكنكِ الآن أن تتوقفي عن الخۏف.
سقطت شمس عمّان علينا كبركة هادئة.
وللمرة الأولى منذ أحد عشر عامًا
صدقته.