حلة الفول بقلم الكاتبة نرمين عادل همام


معاش السادات الصغير.
رجعت المطبخ وحطت الدفتر على المفرش البلاستيك جنب حلة الفول.
افتحه، قالت بجمود.
طارق فتحه. فرّ في الورق.
مفيش أي حاجة تانية. الرصيد الأخير كان يا دوب يكفي زيت وزيت وفول لأسبوعين لو صرفت بالمللي.
نادية حطت إيدها العروق فيها بارزة فوق الدفتر. صوابعها كانت ناشفة من الروماتيزم، وشكلها خشن أوي جنب إيد ابنها الناعمة اللي مابتعرفش غير مسكة القلم والكي بورد
طارق بيفرّ في الورق تاني، المرة دي ببطء، كأن الأرقام ممكن تتكسف على ډمها وتتغير من مكانها.. بس مفيش حاجة اتغيرت. المعاش الهزيل بتاع الحكومة موجود، تبرع صغير من الجمعية الشرعية موجود، وشوية أرقام حزينة لمساعدة في تمن الدوا موجودة.. لكن ال 100 ألف جنيه اللي بيقول إنه كان بيبعتهم كل شهر بقاله سنة؟ كأنهم حتة من ألف ليلة وليلة، ملهمش أي أثر.
كنتِ قاعدة بتبصي لوشه وهو بيتغير في كل ثانية.. الصدمة كانت الأول، بعدها عدم التصديق، وبعدها اللحظة اللي ۏجعتك بجد.. لمحة شك صغيرة شفتيها في عين ابنك، كأنه بيسأل نفسه لثانية واحدة هي أمي كبرت وخرفت ونسيت الفلوس؟. الكلمة دي ۏجعتك أكتر من ۏجع الجوع اللي شفتيه الشهور اللي فاتت.
شيرين قالت بسرعة وهي بتحاول تلم الدور أكيد غلطة بنك.. أو يمكن طنط فتحت حساب تاني ونسيت. يا طارق، ده اللي كنت بحاول أقولهولك، هي مابقتش مركزة الفترة دي، السن

برضه له أحكامه.
لفيتي وشك وبصيتي لها بتركيز.. مبصتيلهاش كأنها مرات ابنك، ولا الست الشيك اللي ريحة برفانها ملت البيت المتواضع ده وخنقت ريحة التقلية.. بصيتي لها بصفتها الست اللي سابتك تاكلي فول بدمعة تحت شباك بيخر مية، وهي بتمثل إنها شايلة همك وخاېفة لحسن تبردي في الشتا.
قلتِ بهدوء وانكسار أنا صحيح فقيرة يا بنتي.. بس لسه عقلي في راسي ومخرفتش.
المكان كله سكت. طارق قفل دفتر التوفير بخبطة قوية، وبص لمراته بصه لأول مرة يكون فيها فهم. مكنتش نظرة جوز لمراته، كانت نظرة راجل اكتشف إن فيه حد بيمثل الحنية وهو بيسرق لقمة أمه من قدامها بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
قال بصوت واطي ومرعب وريني التحويلات يا شيرين. شيرين محركتش شعرة إنت بتتكلم بجد؟ إنت هتعمل كدة هنا؟ قدام العيال؟
كأن العيال هما المشكلة.. كأن قلة الأصل مش هي الإهانة.. كأن أرضية المطبخ المكسرة وطبق الفول هما اللي كسفوها مش عملتها السودة. شفتي طارق وهو بيجز على سنانه، والشرر بيطير من عينه.
نادى على ابنه الكبير يا إبراهيم.. خد أخوك ياسين وادخلوا استنوني في الصالة. الواد الكبير وقف متردد، هو كبير كفاية إنه يفهم إن الكبار بيكدبوا لما بيبقوا هاديين زيادة عن اللزوم. ياسين الصغير كان ماسك عربية لعبة وبص لباباه ولأمه ولكِ، وهو مش فاهم حاجة. كنتِ هتطلبي من طارق يسيبهم، بس رجعتِ في كلامك.. لازم العيال يعرفوا الطمع شكله إيه قبل ما يتزوق ويلبس لبس شيك ويدخل حياتهم باسم الأهل.
أول ما العيال خرجوا، شيرين قلعت قناع الكنّة المطيعة اللي كانت لبساه سنين، وقالت بزهق ونفخة عملت اللي كان لازم يتعمل! إنت محسسني إني اشتريت يخت.. دي مصاريف البيت يا طارق.
طارق بصلها بذهول إنتي بتقولي إيه؟
رفعت راسها لفوق بتبجح، والوش الحقيقي ظهر.. مكنش فيه خوف، كان فيه عناد. وش الست اللي شايفة إنها صاحبة حق لدرجة إنها مابقتش شايفة بشاعة كلامها. قالت بحدة قلت إن أمك مش محتاجة كل الفلوس دي كل شهر! خليك صريح مع نفسك.. كانت هتصرفهم في إيه؟ هتجيب بيهم ملايات حرير ولا جبنة مستوردة؟ دي ست عايشة لوحدها في أوضتين وصالة ومابتخرجش من باب البيت. في حين إننا عندنا عيال، ومظاهر اجتماعية، وتبرعات لذكرى جواز أهلك، ورحلات المدرسة لغات، ونادي..
طارق قاطعها بصوت كأنه طلقة أبويا مېت يا شيرين. الكلمة نزلت عليها زي القلم. شيرين بربشت بعينيها وقالت إنت فاهم قصدي. قال لها لأ.. أنا شكلي مكنتش فاهم حاجة خالص.
كنتِ واقفة جنب البوتاجاز، ساندة بإيدك على الرخامة لأن الدنيا بدأت تلف بيكِ. دخان الفول كان طالع بينكم كأنه شاهد على كل اللي بيحصل. افتكرتِ الشهور اللي فاتت كنتِ بتقسمي الحباية نصين، وتنامي بالشراب والجاكت عشان توفري في فاتورة الكهرباء والغاز، وبتمثلي إن العيش الناشف بتاع الجامع مكفيكي.. وكنتِ بتقولي لنفسك طارق ابني مشغول بس قلبه أبيض.
أبيض.. الكلمة دي طلعت ضعيفة أوي دلوقتي.
طارق فتح الدفتر تاني، مش عشان يشوف، لكن عشان يمسك أعصابه لا ينفجر. سألها وهو باصص في الورق كام يا شيرين؟ سكتت.. والسكوت كان هو الاعتراف. كام يا شيرين؟ انطقي!
نفخت بملل معرفش.. شوية راحوا لحساب البيت، وشوية لمصاريف مدرسة العيال، وشوية لرحلة الجونة عشان مكافأة الشغل بتاعتك مكنتش نزلت، وكان شكلي وحش أوي قدام صحباتي وإحنا بننزل ليفيل الأوتيل..
طارق رفع راسه فجأة رحلة الجونة؟ حدفت إيدها في الهوا يا سيدي جرا إيه! إحنا مابنتكلمش في ملايين، دي قرشين محطوطين لواحدة مكانتش تعرف أصلاً إنهم موجودين!
حسيتِ ببرودة في قلبك اللحظة دي.. مش من قسۏتها، إنتي عرفتي قسۏتها من أول يوم دخلت فيه مطبخك وبصت لحياتك بقرف. البرودة كانت من نفسك.. لما افتكرتِ إنك كنتِ بتدافعي عنها سنين وتقولي يمكن تعبانة، يمكن بنات البندر طبعهم كدة، ماتظلميهاش يا نادية يا بنتي. لكن الحقيقة إن الأڈى كان قاعد معاكِ على نفس الطبلية سنين وهو مستني اللحظة دي.
طارق قام من الكرسي فجأة لدرجة إنه عمل صوت مزعج على الأرض قومي.. هنمشي حالاً. شيرين ضحكت بذهول نعم؟ إحنا لسه واصلين! قلت هنمشي!
إنت مش هتهزقني قدام أمك عشان خاطر الورق الهبل ده..
زعق فيها بصوت سكت ساعة الحيطة إنتي سړقتي أمي! صوته كان بيترعش من الغل. سبتيها عايشة بالمنظر ده وإنتي بتقوليلي كل شهر إنها بتقولك كتر خيرك وتسلم إيدك يا طارق!
هنا نفسك انقطع.. رفعتِ راسك پصدمة قالتلك إيه؟ طارق مقدرش يبص في عينك من الخزي.. كتافه نزلت لتحت وبان عليه الهم كل شهر يا أمي.. كانت بتقولي إنها حولت لك الفلوس. كانت بتقول لي إنك بكيتي من الفرحة أول مرة، وإنك مش عاوزاني أشيل همك، وإنك حلفتيها ماتقوليش قدامي عشان مكنتيش عاوزاني أصرف مبالغ زي دي عليكي..
غمضتِ عينك. المطبخ اختفى من قدامك.. وافتكرتِ كل مكالمة تليفون في السنة اللي فاتت. كل إزيك يا ماما؟ سريعة، وكل رد منك ب الحمد لله يا ضنايا ماتشغلش بالك. كل لحظة كنتِ فاكرة فيها إن بعده عنك ده مشاغل الدنيا، ومكنتيش تعرفي إنه كدبة متفصلة بالمللي من الست اللي واقفة قدامك دلوقتي وبتبصلك بمنتهى البجاحة كأنك إنتي اللي غلطانة.
فتحتِ عينك، لقيتي شيرين بتبصلك پحقد وغل أهو ده اللي كنت خاېفة منه، خلط الفلوس بالأهل.. بقيت أنا الشريره دلوقتي عشان مشيت أمور البيت بذكاء!
كنتِ خلاص هتضحكي.. ضحكة يأس. شيرين سړقت 100 ألف جنيه في الشهر من أم جوزها، ولسه شايفة نفسها ضحېة ل مشاعرك المچروحة.
طارق لسه مخلصش كلامه.. ولسه المواجهة في أولها
طارق بصلها بنظرة غريبة، كأنها أول مرة يشوفها