حلة الفول بقلم الكاتبة نرمين عادل همام


على حقيقتها، وقال بصوت خالي من أي مودة إنتي ممشيتيش الأمور بذكاء.. إنتي سرقتيها، نهبتي أمي يا شيرين بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
الكلمة نزلت عليها كأنها صدمة كهرباء، يمكن لأن طارق قفل الباب قدام أي تمثيل أو دلع. شيرين نخرت بتبجح وقالت بحدة ماشي.. أيوة أخدت جزء من الفلوس! لأني عكس أمك، أنا عايشة في الدنيا الحقيقية.. الدنيا اللي كل حاجة فيها بتمن، والمنظر الاجتماعي فيها بيفرق، والعيال محتاجين أكتر من مجرد طبق فول وشوية كلام عن الرضا والصبر.
دي كانت اللحظة اللي طارق انكسر فيها بجد.. مسك ضهر الكرسي بقوة لدرجة إن الخشب طقطق تحت إيده، وقال بصوت واطي ومخيف اطلعي بره مطبخ أمي.
شيرين وقفت مكانها مذهولة.. في ثانية واحدة، استوعبت إن الخناقة اللي كانت فاكرة إنها هتديرها وتسيطر عليها، خرجت عن السيطرة. دي مابقتش ناقرة ونقير بين راجل ومراته هيصالحها بكلمتين أو عزومة بره.. ده كشف حساب لضميرها. طارق واقف في المطبخ اللي شهد جوعه وهو صغير، وافتكر بالمللي يعني إيه تضحية، قبل ما يبقى غني ويشتري راحة باله ويسلم ضميره لغيره.
قالت بصوت فيه هدوء مصطنع يا طارق.. بلاش دراما، متبقاش أوفر. شاور لها على الباب بصباعه خدي العيال وانزلي على العربية.. حالاً.
لثانية واحدة، كنتِ فاكرة إنها هتعاند وتجرب سلاحھا القديم؛ جمالها، شياكتها، طريقتها في إنها تبان هي اللي عاقلة ومظلومة.. لكنها شافت وشه وعرفت حاجة إنتي عارفاها كويس طارق مبيطلبش.. طارق بيأمر.
شيرين لفت ومشت من غير ولا كلمة. سمعتي صوت كعب جزمتها الغالي وهو بيخبط في الصالة، وبعدها صوتها وهي بتنادي العيال بنبرة فرحة كدابة. دقيقة والباب اتقفل وراهم. السكوت اللي سابته وراها كان تقيل.. كأن للهوا وزن.
طارق محركش شعرة.. وإنتي كمان. مفيش صوت غير غليان الفول على الڼار، وصوت موتور الثلاجة القديم وهو بيزيق بتعب. البيت حسيته صغر، بس بقى أنضف.. الكدب ليه ريحة خنقة، ولما بيخرج، النفس بيرجع تاني.
طارق لف وبص لكِ.. كان باين عليه الهدد.. مش عشان جوازه اللي بينهار بس، ده عشان النسخة اللي كان عايش بيها في عالم الأغنياء اټدمرت في مطبخك، وظهر من تحتها الولد الصغير اللي كان بياكل عيش وملح على الطبلية دي ويحلف إنه لما يكبر هيشيلك في عينه.
قال بصوت مبحوح يا أمي.. والكلمة اتقطعت في زوره. هنا مكنش ينفع تمسكي نفسك.. إنتي معيطتيش لما ستات الجامع كانوا بيدولك أكياس مكرونة صدقة. معيطتيش لما كنتِ بتنامي والفرن شغال عشان يدفي الشقة شوية. معيطتيش لما ركبك كانت بټوجعك لدرجة إنك بتقعدي على السرير عشان تلبسي الشراب بإيديكي الاتنين.. لكن ابنك وهو واقف قدامك، تايه كأنه عنده 12 سنة ومهموم كأنه عنده 60؟ ده اللي فتح الچرح بجد.
قعدتِ على الكرسي قبل ما

رجلك تخونك.. وهو نزل على ركبه تحت رجلك. فيه أمهات ممكن يستغلوا اللحظة دي عشان يقطّموا، عشان يعدّوا الشهور الباردة، والليالي اللي نمتي فيها وحيدة، والمكالمات اللي كانت بتخلص في ثانية.. ويمكن يكون ليهم حق. بس وإنتي بتبصي له، فهمتِ حاجة توجع هو مبعدش عنك لأنه بطل يحبك.. هو بعد لأنه وثق في الست الغلط، الست اللي كانت المفروض تبقى الجسر اللي بينه وبينك.
والثقة لما بتتحط في غير مكانها، بتجوّع الناس أكتر من الإهمال نفسه.
قال وهو بيبكي أنا آسف.. حقك عليا.. أنا آسف يا أمي. حطيتِ إيدك على شعره زي ما كنتِ بتعملي وهو طفل سخن بالليل ومش لاقية تمن الدوا عارفة يا ضنايا.. همستِ، رغم إن المعرفة غير المسامحة، والمسامحة لسه مدخلتش الأوضة دي.. عارفة يا طارق.
سند راسه على رجلك وعيط.. مش عياط برستيج، ده عياط راجل اكتشف إن الفلوس اللي بيبعتها مش هي الحب، وإن الشيكات مبتشبعش لو مكنش معاها نظرة عين. سبتيه يطلع وجعه.. وزي ما قولتِ، العيد ملوش لزوم بالكدب المتزوق.
بعد شوية، لما هدي، قام وبدأ يروح ويجي في المطبخ بقالك قد إيه؟ رديتِ بصراحة سنة كاملة مفيش مليم دخل حسابي. وقبل كدة، حاجات صغيرة.. أدوية كنت بتقول هتبعتها ومبتجيش. بطاطين شتا قالت لي إنها اتأخرت في الشحن. مرة قالت لي إنك عاوز تجيب لي ست تساعدني مرتين في الأسبوع بس أنا رفضت عشان كرامتي.. بصيتِ له في عينه أنا عمري ما رفضت يا طارق.
جز على سنانه قالت كدة؟ هزيتِ راسك كتير.
لف وشك وبص من الشباك.. ضوء الشمس بدأ يطفي ويدخل مكانه المغرب. الدنيا برا ماشية بهدوء غريب، وراديو بعيد مشغل أغنية للعيد، في حين إن حياتك بتتقسم نصين.
طارق سأل سؤال فاجئك ليه مقلتيليش؟ مكنش سؤال اتهام، كان سؤال واحد غرقان بيدور على اللحظة اللي غرق فيها عشان يرجعها. قلتِ له عشان أمهات جيلي اتربوا إنهم يصغروا كل سنة زيادة.. عشان مكنتش عاوزة أطلب وأحس إني بشحت. عشان كان صوتك في التليفون دايما تعبان. عشان مراتك كانت دايما بتتكلم كأن كل حاجة تحت السيطرة. وعشان مكنتش عاوزة أبقى حمل تقيل بتناقشوه وإنتوا بتاكلوا سوا.
غمض عينه بۏجع يا أمي.. قطعتِ كلامه دي مش غلطتها لوحدها.. دي غلطتك إنت كمان. الفلوس مش حجة تخليك ماتشوفش بعينك وتطمن بنفسك.
الكلمة كانت في مكانها.. وهزت كرامته. هز راسه ببطء كأنه بيبلع دوا مر بس بيشفي عندك حق.. أنا كنت فاكر إن بَعْت الفلوس كفاية.
ابتسمتِ بمرارة الرجالة دايما فاكرين إن المصاريف هي الرعاية. ساعات بتبقى صح.. وساعات بتبقى مجرد حاجة بتخليهم يحسوا إنهم كويسين وهمّ بعيد.
بعد عشر دقايق، الباب خبط. طارق اتشد وافتكر إنها شيرين رجعت، بس طلع الشيخ عبد الحميد، إمام الجامع اللي جنبك، داخل وشايل كرتونة فيها كحك وعيش ووشه منور من السعي في الخير. وقف مكانه لما شاف الجو مكهرب، وشاف دفتر التوفير وشكل طارق.
الشيخ عبد الحميد قال بحذر جيت أجيب العيدية للحاجة نادية. قمتِ وقابلتيه اتفضل يا شيخنا.. ادخل.
طارق مسح وشك وكان مكسوف، بس الوضع مابقاش فيه تمثيل. الشيخ حط الكرتونة وقلع جزمته وقعد بالصبر اللي اتعلمه من قعدة المصاطب وسماع هموم الناس. سلم على طارق بأدب، وبص لكِ
تحبي أمشي يا حاجة؟ فكرتِ في الستر وفي الڤضيحة.. وفي كل الأسباب اللي بتخلي البيوت تعفن من جوه عشان الستات اللي زيك بيخبوا الۏجع. بصيتِ لطارق وقلتِ
لأ.. خليك يا فضيلة الشيخ.
وفعلاً، قعد. وفي الساعة اللي بعدها، الحكاية اتكشفت بالكامل قدام طارق بشاهد تالت. الشيخ حكى عن شنطة رمضان اللي كانت بتجيلك. عن حملة دفا اللي جابت لك بطانيتين ودفاية مستعملة وباظت. عن صندوق الدوا بتاع الجمعية. عن المرة اللي الشيخ بنفسه خدك فيها المستوصف عشان ركبك كانت تعباكي ومكنتيش عاوزة تشغلي ابنك.
طارق كان بيسمع وهو ساكت خالص.. صمت القپور. وفجأة، عمل حاجة مكانتش متوقعة من الراجل الشيك اللي لابس جزمة بآلاف. طلع تليفونه، واتصل بمدير البنك بتاعه يوم العيد، وقال بصوت هادي ومرعب عاوز كشف حساب بكل التحويلات اللي تمت من حسابي الشخصي عن طريق مراتي في ال 12 شهر