حلة الفول بقلم الكاتبة نرمين عادل همام


اللي فاتوا.. وعاوزهم دلوقتي حالا. مصممش.. مهددش.. هو بس اتكلم بهدوء الراجل اللي مابقاش يسمح لحد يضحك عليه تاني.
وعلى العشاء.. أول دليل وصل.
كشوف الحسابات.. صور من التحويلات.. تأكيدات بنكية طالعة من حسابه الشخصي لحساب مشترك شيرين هي اللي بتتحكم فيه. ومكتوب تحت كل تحويل ملاحظة تقطع القلب مصاريف ماما، كسوة الشتا، علاج الحاجة نادية. سنة كاملة من النية الطيبة والمحبة اتحولت لمصاريف مدرسة لغات، وحجز فنادق، وديكورات للبيت، وفواتير بيوتي سنتر.. وبند واحد كان هو القشة اللي قطمت ضهر طارق شنطة ماركة سعرها أغلى من مصاريف معيشتك في أربع شهور.
لما طارق شاف البند ده، وشه بقى أبيض زي الورق. قلتِ له بهدوء وصوت واطي اشتريت لي شنطة يا طارق؟.. مكنش فارق معاكي الشنطة، بس السخرية كانت واجعة أوي. قلت لي في التليفون مرة إن شيرين بتقول إنك نقيت لي حاجة ذوقها عالي في عيد ميلادي.. ضغطتِ على شفايفك وكملتِ بس مفيش حاجة وصلت يا ابني.
حط إيده على عينيه وخبا وشه من الخجل. الشيخ عبد الحميد تمتم بدعاء كان طالع بنبرة حزن أكتر منها صلاة.. الليل ليل علينا بسرعة.
طارق خرج البلكونة يتكلم في التليفون مع شيرين تلات مرات. في كل مرة كان بيدخل وشكله مكسور أكتر بس عزيمته أقوى. أول مكالمة كانت هي بتنكر، التانية كانت بتقلب الطاولة وبترد بغل، وفي التالتة قلبتها عياط وصعبانيات، واتكلمت عن العيال، وإزاي هو بيهد كيان الأسرة عشان خاطر غلطة حسابات. جزء منك كان قرفان من تمثيلها المحفوظ، وجزء كان موجوع عشان طارق.. لأن التلاعب بيجيب نتيجة دايما مع الناس اللي قلوبها بيضا وبيدوروا على الستر أكتر من الحقيقة.
بس طارق اتغير.. المطبخ اللي اتعلم فيه يعني إيه جوع زمان، طلع أقوى بكتير من الرخام والمظاهر الكدابة اللي عاش فيها سنين.
فجأة، إبراهيم ابن طارق ظهر على باب المطبخ بلبسه الشيك وشعره المنكوش، وكان وشه فيه قلق الأطفال لما بيحسوا إن الكبار بيكسروا حاجة مش هتتصلح. سأل بوطي بابا؟ ماما بتزعق في الشارع في التليفون.
طارق انتبه له فوراً إنتوا لسه في العربية؟ الولد هز كتافه بقاله كتير بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
حسيتِ ببرودة في جسمك كله. طبعاً.. سابتهم في العربية. في الوقت اللي الحقيقة كانت بتتشرح هنا في المطبخ، أحفادك كانوا قاعدين في عربية آخر موديل في ليلة العيد بيسمعوا أمهم وهي بتنفث غلها في التليفون. العيال دايماً هما أول ناس بيدفعوا تمن ۏسخة الكبار.
قلتِ لطارق دخل ولادك يا ابني.. خليهم يدخلوا البيت. طارق شاور لهم، وفي ثواني كان إبراهيم وياسين في المطبخ، خدودهم حمرا من السقعة وصوابعهم متلجة. بصوا لطبق الفول كأنه حاجة غريبة وحلوة في نفس الوقت. ياسين الصغير سأل ببراءة تيتا.. هو فيه عيش محمص؟ ضحكتِ رغم الۏجع.. طفل بيطلب طلب عادي وسط الکابوس ده. فيه يا قلب تيتا.. فيه.
وعشاء العيد بقى زي ما كان قبل كدبة شيرين فول، ورز، وقشرة كحك، وعيش متسخن على ڼار البوتاجاز مباشرة. بس المرة دي، الحقيقة كانت قاعدة معانا على الطبلية. طارق كان بياكل وسكت، والعيال بيسألوا عن شجرة العيد القديمة، والشيخ عبد الحميد حكى حكاية تضحك.. مكنتش أكلة سعيدة، بس كانت أكلة حقيقية. وبعد سنة من المحو والتهميش، الحقيقة كان ليها قدسية.
بعد ما العيال ناموا في الصالة تحت بطاطين قديمة، طارق وقف معاكِ يغسل المواعين. قلتِ له سيبهم، مسمعش كلامك. شمر كمام السويتر الغالي ووقف قدام الحوض ينشف الأطباق بالفوطة اللي أبوكِ كان بيستخدمها. كان شكله غريب في المطبخ ده، بس كان في مكانه الصح لأول مرة.
قال فجأة أنا هطلق يا أمي. فضلتِ تغسلي الحلة بهدوء ده قرارك إنت يا طارق. هز راسه أنا عارف.. وهعمل جرد لكل حساباتي. اللي عملت كدة مع أمي، أكيد عملت أكتر من كدة في حاجات تانية. سكت شوية وكمل وهاخد العيال بكرة.
نزلتِ الحلة من إيدك وبصيتِ له.. دي ۏجعتك برضه، لأن مهما كان اللي شيرين عملته، فيه بيت بيتفتح ويتقسم. والعيال مبيفهموش إن النهايات الضرورية ساعات بتبقى ۏجع. قلتِ له متستخدمش العيال سلاح يا ابني. بص لكِ باستغراب أنا؟ أبداً.
عارفة.. بس

المظلوم ساعات بيبقى مبدع في الاڼتقام وهو فاكر إنه بيجيب حقه. سيب مكان للحقيقة، بس بلاش الاڼتقام يا طارق.
بص لفوطة المواعين في إيده ثانية طويلة وقال بصوت واطي إنتي إزاي لسه بتحميني من إني أبقى قاسې؟ ابتسمتِ عشان إنت ابني.. وده مش هيبطل يبقى حقيقة حتى لو خذلتني في يوم. دموعه نزلت تاني، مسحها بسرعة وكمل تنشيف الأطباق.
الصبح كان الجو برد أوي.. طارق صحي بدري، وقعد على طبلية المطبخ ومعاه نوتة بيكتب فيها سخان جديد.. سقف الأوضة يتصلح.. طلبات البيت.. تنظيم الحسابات.. مواعيد الدكاترة.. محامي. كان بيكتب كأنه بيبني جسر كان مهدود.
بصيتِ له من قدام البوتاجاز وقلتِ متحولنيش ل مشروع يا طارق. بص لكِ بسرعة ده مش كدة خالص.
ممكن يبقى كدة.. الشعور بالذنب بيخلي الواحد كريم زيادة عن اللزوم في الأول، وبعدين بيزهق. أنا مش عاوزه شهر واحد من الإنقاذ الدرامي، وبعدها سنة تانية من السكوت.
الكلمة جت في مقټل.. حط القلم من إيده وقال طيب قولي لي إنتي عاوزه إيه؟ قعدتِ قدامه.. مش اللي محتاجاه، لا.. اللي عاوزاه. محدش سألك السؤال ده من زمان. فكرتِ كويس قبل ما تتكلمي أنا عاوزه الحقيقة.. مفيش رسايل تانية عن طريق مراتك. مفيش مساعدة تتبعت في الضلمة وتفترض إنها وصلت. عاوزه إنت اللي تكلمني.. مش وإنت في العربية، ولا بين الاجتماعات. عاوزه لما تسألني إزيك، تستنى تسمع الرد.
وشه اتملى بالخجل والمحبة في نفس الوقت. سألك بحذر والفلوس؟
أيوة، والفلوس كمان. التدفئة بفلوس، والدوا بفلوس. أنا مش همثّل الفقر عشان كرامتي كانت لخماني سنين. رفعتِ راسك بقوة بس لما تساعدني، ساعدني علني.. باسمي أنا، وحسابي أنا، وإيدي هي اللي تمضي .
تم يا أمي.. وحاجة تانية؟ بصيتِ للصالة حيث أحفادك نايمين ماتعلمش العيال دول إن الستات اللي زي شيرين هما بس اللي يستاهلوا الجواز عشان بيعرفوا يمسكوا الكاس ولا يتمنظروا باللبس.. وماتعلمهمش إن الجدات بيعيشوا بس عشان يشكروا ويمجدوا في غيرهم.
غمض عينه والۏجع بان عليه مش هيحصل.
الأسابيع اللي بعد العيد كانت موسم حساب. حسابات.. محاميين.. قضايا حضانة.. كروت بنك اتجمدت. طارق جاب لك تليفون جديد عشان تكلميه مباشرة. المقاول جه صلح الشباك، والسخان، وسقف الأوضة اللي كنتِ مخبية الحتة اللي بتخر فيه ب جردل وإنكار.
المنطقة كلها عرفت طبعاً.. الحارة مبيستخبى فيها حاجة. العربية السوداء بتيجي تلات مرات في الأسبوع. جيران يسألوكي لو كسبتِ اليناصيب، وتانية يسألوا لو ابنك الغني افتكر أخيراً إنه اتربى هنا. ستات الجامع مبقوش يجيبوا أكل كتير لأن الثلاجة بقى فيها خير والفاكهة محطوطة في طبق على التربيزة.
إنتي محكيتيش كتير.. مش عشان مكسوفة، لا.. عشان الۏجع لما بيتحكي بيتحول ل فرجة للناس، وإنتي مش عاوزه كدة. خليهم يخمنوا.. الحقيقة ملكك لوحدك.
شيرين من ناحيتها بدأت