أولادي طلعوني من جروب العيلة… فقفلت باب المزرعة في وشهم


مكتومة
يلا بينا.
مراته اتفاجئت
هنمشي يعني؟
رد بحدة
أمال نعمل إيه؟ ننام في الشارع؟
بدأوا يرجعوا الشنط للعربيات.
والعيال كانوا متضايقين ومش فاهمين ليه الرحلة باظت فجأة.
أما أنا
ففضلت قاعدة مكاني.
لا منتصرة.
ولا مکسورة.
بس تعبانة.
سمية كانت آخر واحدة تمشي.
وقفت قدام البوابة شوية، وبعدين قالت بصوت واطي
ماما إنتِ فعلًا زعلانة مننا للدرجة دي؟
بصيتلها طويل.
وقلت
أنا زعلانة عشان بقيتوا تتعاملوا معايا كإني موجودة لخدمتكم بس.
عينيها لمعت.
واضح إن الكلام لمسها.
لكنها ما ردتش.
ركبت عربيتها ومشيت.
ولما آخر عربية خرجت من الطريق الترابي
المكان كله سكت.
رجع هدوء المزرعة القديم.
صوت الهوا بين الشجر.
ونباح كلب بعيد.
ورائحة التراب بعد المغرب.
عم رمضان بصلي وقال
أول مرة أشوفك قوية كده يا ست أم سعيد.
ابتسمت بتعب.
أنا مش قوية يا رمضان أنا بس تعبت.
سكت شوية، وبعدين قال
هتقوليلهم بكرة على اللي تحت الأرض؟
بصيت ناحية أوضتي.
يمكن.
في الليلة دي، ما دخلتش أنام على طول.
فتحت الدفتر البني تاني.
وقعدت أقلب صفحاته ببطء.
خط الحاج محمود كان لسه واضح.
تحت كل حساب، وكل رقم، كان بيكتب ملاحظات صغيرة.
سمية بتحب شجر الليمون.
سعيد بېخاف من الضلمة.
لازم نسيب لهم حاجة تعيشهم لو الزمن جار عليهم.
وقفت عند الجملة الأخيرة طويل.
لأن الحاج محمود طول عمره كان شايف ولادنا بعين الحب
حتى قبل ما يكبروا ويتغيروا.
قلبت كام صفحة كمان
لحد ما وصلت للجيب الصغير اللي في آخر الدفتر.
طلعت منه مفتاح قديم صغير.
المفتاح اللي ما شافوش حد من سنين.
قبضت عليه بإيدي، وحسيت بقلبي يدق أسرع.
لأن الحقيقة؟
اللي تحت الأرض ماكانش مجرد فلوس.
كان شيء أكبر بكتير.
وفي صباح اليوم التالي، صحيت بدري.
عملت شاي، وقعدت في الجنينة أستنى.
وأول واحد وصل كان سعيد.
لوحده فعلًا.
لا مراته.
لا عياله.
ولا أي حد.
نزل من عربيته بهدوء غريب، وكأنه مش نفس الشخص اللي كان پيتخانق امبارح.
قرب من البوابة، وبصلي شوية قبل ما يقول
صباح الخير.
دي أول مرة من شهور طويلة يقولها من غير استعجال.
فتحتله البوابة من غير كلام.
دخل ببطء، وعينه بتلف في المكان كأنه بيراه لأول مرة.
الشجر.
التراب.
السور القديم.
حتى البيت نفسه.
كل حاجة كانت ساكتة بشكل مريح.
بعد عشر دقايق، وصلت سمية هي كمان.
ولوحدها.
نزلت ماسكة صينية صغيرة فيها فطير وجبنة.
وقالت بخجل
قولت يمكن ما فطرتيش.
الكلمة الصغيرة دي
وجعتني أكتر من أي إهانة.
لأنها فكرتني قد إيه كنت محرومة من الحاجات البسيطة.
بعدها وصل أخوهم التالت، أشرف.
وبعدين أختهم نجلاء.
واحد ورا التاني
كلهم جايين لوحدهم.
من غير دوشة.
من غير ضحك عالي.
من غير أصحاب.
ولأول مرة من سنين
دخلوا البيت كأنهم داخلين بيت أمهم فعلًا.
مش استراحة.
سعيد قعد قدامي على الترابيزة الخشب وسأل بهدوء
إيه اللي كنتِ تقصديه إمبارح؟
بصيت للدفتر البني اللي قدامي.
وحطيت المفتاح الصغير فوقه.
كل العيون اتثبتت عليه.
قلت
أبوكم قبل ما ېموت بشهر ناداني هنا.
الصمت نزل على المكان كله.
كملت
وقاللي لو جه يوم وولادنا نسوا قيمة البيت ده افتحي اللي خبيناه.
سمية همست
خبّيتوا إيه؟
بصيت ناحية أوضتي.
ناحية الأرض الخشب القديمة تحت السرير.
وقلت بهدوء
تعالوا ورايا.
قاموا كلهم ورايا في هدوء.
مفيش صوت غير خطواتهم فوق أرضية البيت القديمة.
ولأول مرة من سنين ماحدش كان ماسك موبايله.
ماحدش مستعجل.
حتى سعيد، اللي عمره ما كان يصبر على حاجة، كان ماشي ساكت تمامًا.
دخلت أوضتي.
الأوضة اللي محدش فيهم ډخلها بجد من بعد ۏفاة أبوهم.
كانت بسيطة زي ما هي.
السرير الخشب القديم.
الدولاب البني.
ريحة الزمن نفسها في المكان.
وقفت عند طرف السرير، ونزلت على ركبي ببطء.
عم رمضان قرب يساعدني، لكني هزيت راسي
سيبني أنا.
مديت إيدي تحت السرير، ورفعت لوح خشب صغير من الأرضية.
الغبار طلع خفيف، وكلهم قربوا أكتر.
وتحت اللوح
كان في صندوق حديد صغير.
قديم.
أسود.
وعليه صدأ من الجوانب.
سمية حطت إيدها على بقها
يا نهار أبيض
أما سعيد، فكان مركز بعينه على الصندوق كأنه مستني كنز.
طلعت المفتاح الصغير من جيبي.
وقبل ما أفتحه، بصيت عليهم واحد واحد.
وقلت
أبوكم قالي الصندوق ده مايتفتحش غير