أولادي طلعوني من جروب العيلة… فقفلت باب المزرعة في وشهم


لو حسّيت إن ولادي نسوا إحنا تعبنا قد إيه عشان البيت ده.
نزلت عيونهم للأرض.
لكن سعيد قال بسرعة
وإيه اللي جواه؟
فتحت القفل ببطء.
وصوت التكة الصغيرة طلع في الأوضة كلها.
وكلهم قربوا أكتر.
رفعت الغطا
وساعتها، الصدمة ظهرت على وشوشهم كلهم.
لأن الصندوق
ماكانش مليان دهب.
ولا فلوس.
ولا عقود أراضي.
كان مليان جوابات.
مئات الجوابات.
متربطة بحبال قديمة.
وصور.
ودفاتر صغيرة.
سعيد اټصدم
إيه ده؟
طلعت أول جواب بهدوء.
كان عليه اسم
لسعيد.
وبعدين واحد تاني
لسمية.
وواحد
لنجلاء.
كل واحد فيهم كان ليه رزمة لوحده.
سمية همست
دي بخط بابا.
هزيت راسي.
أيوه.
السكوت بقى تقيل جدًا.
أما سعيد، فكان واضح عليه الإحباط.
الإحباط الحقيقي.
كأنه كان مستني حاجة تانية.
وده وجعني أكتر من أي حاجة.
قلت بهدوء
إنتوا كنتوا فاكرين أبوكم خبّى فلوس.
وبعدين لمست الجوابات بإيدي.
لكن أبوكم خبّى عمره كله هنا.
سمية بدأت ټعيط بهدوء.
أما أشرف، فكان واقف مشدوه وهو بيقلب في الصور القديمة.
صور وهم صغيرين.
صور للشجر وهو لسه بيتزرع.
صور لأبوهم وهو شايلهم على كتفه.
سعيد أخد الجواب اللي عليه اسمه، وفتحه ببطء.
وأول ما عينيه وقعت على أول سطر
وشه اتغير.
قال بخفوت
ده كاتبهولي قبل ما ېموت.
قلت
أيوه.
بدأ يقرأ بصمت.
لكن عينيه بدأت تلمع.
وأول مرة من سنين
شفت ابني مش عارف يخبي دموعه.
سمية فتحت جوابها هي كمان.
وبدأت تبكي من أول سطر.
نجلاء قعدت على الأرض وهي حاضنة الصور لصدرها.
أما أنا
فقعدت على الكرسي الصغير جنب السرير، أراقبهم بس.
الحاج محمود كان عارف.
عارف إن الزمن ممكن يبعد الناس عن بعض.
وعارف إن الفلوس عمرها ما كانت أهم حاجة.
عشان كده ما سابش دهب.
ساب كلام.
في جواب سعيد، كان كاتب
لو بتقرأ الجواب ده، يبقى غالبًا كبرت وبقيت مشغول بس أوعى تنسى أمك. هي الوحيدة اللي هتفضل فاتحالك الباب حتى لما الدنيا كلها تقفله.
سعيد قفل الجواب بسرعة، وكأنه اتخبط.
أما سمية، فكانت بټعيط بصوت واضح دلوقتي.
وقالت وهي تبصلي
إحنا قصرنا معاكي أوي يا ماما.
ما رديتش.
لأن الحقيقة؟
الجوابات هي اللي كانت بتتكلم.
وفي جواب نجلاء، الحاج محمود كان كاتب
البيت ده مش طوب وأرض البيت هو أمكم. لو خسړتوها، عمركم ما هتعرفوا ترجعوا الدفا ده تاني.
الأوضة كلها كانت مليانة عياط مكتوم.
حتى عم رمضان مسح عينه بسرعة وهو واقف عند الباب.
أما سعيد
فقام فجأة، ومشى ناحية الشباك.
واقف بضهره لينا.
واضح إنه بيحاول يتمالك نفسه.
وبعدين قال بصوت مكسور لأول مرة
أنا كنت فاكر إنك هتطلعي لنا ورث
بصيتله بهدوء.
وأبوك طلعلك نفسك.
فضل سعيد واقف عند الشباك فترة طويلة، ضهره لينا، وإيده ماسكة الجواب بقوة.
ولأول مرة من سنين
ابني اللي كان دايمًا صوته عالي، ساكت.
أما سمية، فكانت لسه تقلب في الصور واحدة واحدة، تبص لكل صورة وكأنها بتحاول تعوض سنين كاملة راحت منها.
وفجأة طلعت صورة صغيرة قديمة.
أنا والحاج محمود واقفين وسط الأرض، هدومنا كلها تراب، وإحنا بنضحك.
قالت وهي تبكي
أنا عمري ما شفت الصورة دي.
ابتسمت بخفة
عشان وقتها ماكنش عندنا حتى كاميرا محترمة الصورة دي جارنا اللي صورها.
أشرف فتح دفتر صغير من الصندوق، وكان فيه حسابات قديمة بخط أبوهم.
لكن بين الأرقام، كان في جمل قصيرة.
النهارده سعيد ساعدني في الشجر.
سمية وقعت وضحكت بدل ما ټعيط.
نفسي ولادي يفضلوا يحبوا المكان ده بعدي.
سمية غمضت عينيها وبكت أكتر.
أما نجلاء، فبصتلي فجأة وقالت
إنتِ كنتِ لوحدك طول الوقت ده؟
السؤال نفسه خلاني أسكت.
لأن محدش فيهم عمره سأل السؤال ده قبل كده.
بصيت حواليا للأوضة
للسرير القديم
للحيطة اللي الحاج محمود كان بيصلحها بإيده
وقلت بهدوء
بعد ما أبوكم ماټ البيت سكت أوي.
ولا واحد فيهم عرف يبصلي.
لأنهم كلهم فاكرين.
فاكرين إزاي كانوا ييجوا يومين ويمشوا.
يسيبوا الدوشة وراهم
ويرجعوا لحياتهم.
أما أنا؟
فكنت أفضل هنا.
لوحدي.
سعيد لف أخيرًا ناحيتي.
وعينيه كانت حمرا.
وقال بصوت مبحوح
ليه ماقولتيش؟
ضحكت بخفة متعبة.
قولت لمين يا ابني؟
سكت.
لأن الإجابة كانت واضحة.
كل واحد فيهم كان مشغول بحياته لدرجة إنه ما سمعش أصلًا.
قربت من الصندوق
تاني، وطلعت