وهم الامان


هو أمن نفسه فعلاً، بس مكنش يعرف إنه بيأمني أنا من غدره.
صعق الخبر هشام وكأنه تلقى لطمة على وجهه. نظر إليّ بذهول، وكأنه يكتشف لأول مرة أن ريهام الهادئة، التي كانت تكتفي بالقراءة والرسم، كانت تدرس كل ثغرة في حياته القانونية.
انصرفت سيارة النجدة بعد أن أجبرت العمال على إعادة الحقائب إلى السيارة، واضطر هشام وهبة لركوب سيارته والرحيل تحت نظرات الجيران الفضولية في المربع السكني الراقي بالمعادي.
الهدوء الذي يسبق العاصفة القانونية
بمجرد أن اختفت سيارتهم عن الأنظار، لم أنهر. لم أبكِ.
دخلتُ إلى المكتب، وسحبتُ الملف الأزرق الذي كنت أخبئه داخل تجويف سري خلف لوحة زيتية في المرسم. هذا الملف كان يحتوي على القنبلة الحقيقية. حكايات مني السيد 
هشام لم يكن مجرد خائڼ، كان فهلوي في عمله. وبحكم أنني كنت شريكته الصورية في بعض الأوراق، كان يظن أنني لا أفهم في الحسابات. لكنني كنت قد استعنت بمحاسب قانوني صديق قديم للعائلة قام بتحليل كل التحويلات البنكية التي قام بها هشام لحسابات هبة تحت مسمى استشارات هندسية وهمية.
اتصلت بمحاميتي، الأستاذة عزة
أيوه يا عزة.. المرحلة الأولى تمت بنجاح. هجّجتهم من البيت.
برافو يا ريهام، بس خلي بالك، هشام مش هيسكت، ده ديناصور جريح دلوقتي.
خليه يجرّح في نفسه يا عزة.. أنا دلوقتي هبعتلك صور التحويلات البنكية، وعقد التنازل عن نصيبه في شركة المعمار اللي مضاهولي وقت أزمة القرض.. أنا مش عايزة طلاق وبس، أنا عايزة تجريف لكل اللي بناه على قفايا.
المواجهة الأخيرة
بعد يومين، جاءني هشام. لم يأتِ هذه المرة بالبلوفر الكشمير، بل جاء ببدلة العمل، يحاول استعادة وقاره المفقود. طلب أن نتحدث بهدوء في كافيه عام.
جلس أمامي، وكان يحاول أن يبتلع غضبه
ريهام، إحنا عشرة عمر. اللي عملتيه فيّ قدام الناس ده عيب في حقك قبل ما يكون في حقي. خلينا ننهي الموضوع ودي.. خدي البيت، وخدي مبلع محترم، ونتطلق بهدوء، وسيبي لي الشركة والمعدات، دي شقا عمري.
نظرتُ إليه مطولاً، ثم أخرجتُ من حقيبتي ورقة صغيرة مطوية
شقا عمرك؟ تقصد الفلوس اللي كنت بتسحبها من حسابات الشركة عشان تجيب شاليه الساحل باسم هبة؟ ولا تقصد التهرب الضريبي اللي لو الورقة دي وصلت لمصلحة الضرائب، مش هتشوف الشمس قبل عشر سنين؟
شحب لونه تماماً، وبدأ يتلعثم
إنتي.. إنتي بتنقلي أسرارنا للمحاكم؟
قلتُ له بنبرة خفيضة تشبه فحيح الأفعى
إنت اللي دخلت أسرارنا المطبخ يا هشام.. إنت اللي بدأت لما فكرت إن الست اللي بتطبخ لك وتراعي بيتك هي مجرد ديكور ملوش عقل. أنا مش بس هاخد الشركة، أنا هاخد كل مليم دفعته لهبة من فلوسي وفلوس عيالي، وهسيبك تبدأ من الصفر.. زي ما بدأت معاك بالظبط.
قمتُ من مقعدي، وضعتُ ثمن القهوة على الطاولة ب شياكة كما كان يحب أن يقول، وقلتُ له جملتي الأخيرة
الشوربة كانت محتاجة ملح يا هشام.. زي حياتك بالظبط، ناقصها أصل.
خرجتُ إلى شمس القاهرة الدافئة، شعرتُ لأول مرة منذ سنوات أن الهواء يدخل رئتيّ بنقاء. لم تكن مجرد نهاية زواج، كانت ولادة امرأة عرفت كيف تحول المطبخ من سجن إلى غرفة عمليات لإدارة معركة استرداد الكرامة.
بقلم مني السيد