رواية جديدة

كانت الورقة الأولى تحمل عنوانًا واضحًا وصادمًا
طلب قرض بضمان عقاري مؤقت باسم ليلى الحسن.
اسمي أنا.
توقيعي الممسوح ضوئيًا.
منزلي.
حسابي الاستثماري.
حياتي كلها وقد تحولت إلى ضمان لقرضٍ لم أطلبه يومًا.
شعرتُ بأن ضجيج القاعة بدأ يبتعد عني شيئًا فشيئًا.
لم أعد أسمع همسات الضيوف، ولا بكاء الطفل، ولا صوت الريح وهي تحرّك الشرائط البيجية المعلقة بين الورود.
كنت أرى اسمي فقط
يتكرر على أوراق لم أوقعها.
اقترب سامي مني ببطء، وكأنه يمشي فوق زجاج مكسور.
قال بصوت منخفض
ليلى أعطيني الملف.
لم يكن طلبًا.
بل أمرًا.
وذلك ما أعادني إلى الواقع.
رفعت الملف أعلى وقلت
هل هذا أيضًا يخصّ العميل؟
بدأت ريم تبكي بقوة أكبر.
ابنة خالتي، أرجوكِ ليس هنا.
نظرتُ إليها طويلًا.
كانت تضم الطفل إلى صدرها بقوة، بينما عاد آدم للنوم وكأنه لا يعلم أن الكبار حوله يحاولون ډفن حقيقة كاملة تحت ثوبه الأبيض وشموع الاحتفال الصغيرة.
قلت ببرود
وأين كنتِ تريدينني أن أفعل هذا؟
في منزلي؟ عندما يأتي سامي باكيًا ليطلب مني توقيعًا جديدًا؟
اقتربت خالتي أمينة بسرعة وقالت
ليلى، فكّري بالطفل.
أجبتها دون أن أرفع صوتي
أنا أفكر بالطفل ولهذا السبب تحديدًا لا أصرخ الآن.
أغلق الشيخ الكتاب الذي أمامه، وقد تبدلت ملامحه تمامًا.
لم تعد نظراته حائرة بل ثقيلة.
قال موجّهًا كلامه إلى سامي
أستاذ سامي، هل هناك أمر عائلي يجب حله قبل إتمام المباركة؟
شد سامي أسنانه وقال
يا شيخ، زوجتي متوترة فقط.
زوجتي.
ما أسهل أن يستخدم الرجل هذه الكلمة عندما يريد تحويلها إلى قيد.
فتحت الورقة الثانية.
وكانت أسوأ.
اتفاق انفصال.
وثيقة معدّة مسبقًا لكي أوافق فيها على أن سامي غادر المنزل الزوجي بسبب خلافات نفسية، وأنني لتجنب النزاعات أقرّ بوجود دين مالي له مقابل أموال استثمرها في شركتي.
شركتي أنا.
شركة الاستشارات التي بنيتها قبل أن أعرفه.
بعتها مشروعًا بعد مشروع، وأنا أجلس أمام حاسوب قديم، أشرب القهوة الباردة عند منتصف الليل، وأسافر بحافلات متعبة بين عمّان والعقبة والزرقاء لإنهاء العقود.
سامي لم يدفع فيها دينارًا واحدًا.
لكن تلك الورقة كانت تحاول تحويلي إلى مدينة له.
قلبت الصفحة الثالثة
فتجمّد الډم في عروقي.
صندوق استثماري تعليمي لصالح آدم سامي الخطيب.
الطفل.
طفل كانت العائلة تخفي حقيقته عني طوال الشهور الماضية.
مموّل من ممتلكاتي أنا.
تراجع الشيخ خطوة إلى الخلف.
بدأت الهمسات تنتشر بين الضيوف، وبعض النساء تمتمْن بالأدعية، بينما أنزل رجل يرتدي بدلة زرقاء هاتفه الذي كان يصوّر به.
حتى الورود البيضاء بدت وكأنها تسخر مني.
سألت سامي بصوت يرتجف من شدّة الڠضب
هل كنت تخطط لأن أجعل أنا مستقبل طفل أخفيتم حقيقته عني؟
خفض صوته وقال
أنتِ لا تفهمين كنت سأشرح لكِ كل شيء.
ضحكت بمرارة.
بالتأكيد بعد أن أوقّع.
شهقت ريم باكية
ليلى، والله لم أرد أن يحدث الأمر بهذه الطريقة.
قلت بسخرية موجعة
وكيف كنتِ تريدينه؟
بعدد ضيوف أقل مثلًا؟
انكمشت في مكانها.
وللمرة الأولى رأيت ابنة خالتي على حقيقتها لأول مرة.
لم تعد تلك الفتاة التي بكت معي بعد خسارتي لطفلي.
ولا التي كانت تحضر لي الحساء حين كنت عاجزة عن مغادرة السرير.
بل امرأة استخدمت ألمي مدخلًا إلى حياتي.
قلت لها وأنا أحدق بعينيها
كنتِ معي في المستشفى عندما فقدت طفلي.
أغمضت عينيها وقالت بصوت مكسور
أعلم.
احتضنتِني، وقلتِ لي إن الله يعلم لماذا يفعل ذلك.
أصدر الطفل صوتًا خافتًا بين ذراعيها.
همست
سامحيني.
قلت فورًا
لا.
خرجت الكلمة جافة وقاسېة.
لم أفكر بها.
ولم أتردد.
حاول سامي انتزاع الملف من يدي.
لكنني تراجعت خطوة وقلت
المسني فقط وسأحوّل هذه المناسبة إلى ڤضيحة مباشرة أمام الجميع.
تدخلت خالتي أمينة بسرعة بيننا.
ليلى، كفى العائلة كلها تنظر إلينا.
نظرت إليها ببرود
العائلة كانت تنظر منذ تسعة أشهر.
ولم يجب أحد.
وهنا ظهرت الحقيقة الأقسى
لم يكن سرًا بين شخصين.
بل سرًا حضره الجميع.
سرًّا له قاعة، ووليمة، وزينة، وهدايا مطبوعة باسم الطفل.
الجميع كانوا يعلمون.
عائلة ريم.
وعائلتي.
حتى الورود كانت تعرف أكثر مني.
نظرت