قالوا إن ابنتي ماټت في كوريا… لكنني سمعتُ صوتها يناديني من خلف الباب


سارة أولًا.
امتلأت عيناها بالدموع.
قالت
أمي كانت تقول طعام العيد.
احتضنتها.
نعم طعام العيد.
طلب آدم المزيد.
وقال يزن إنه حار قليلًا، لكنه واصل الأكل.
في تلك الليلة، لم يدعُ الأطفال أمام أي صورة.
في تلك الليلة جلست ابنتي على الطاولة، وأطفالها الأحياء حولها.
لم يكن التعافي معجزة.
كان عملًا طويلًا.
كانت هناك كوابيس.
وأوراق.
ومترجمون.
ومحامون.
ومواعيد طبية.
وتجديد جوازات.
وأسئلة عن الحضانة.
ساعدتنا السفارة على ترتيب الوثائق، وعلى ألا نضيع داخل لغة كانت أحيانًا تبدو مثل جدار.
حصل جاي هون على زيارات مراقبة لرؤية الأطفال أثناء استمرار التحقيقات.
وتحدثت ليان معه مرة واحدة فقط، بحضور ناديا والمترجم.
قالت له
أنا لا أكرهك لكن حياتي لم تعد تتسع لخۏفك.
بكى هو.
أما هي فلم تبكِ.
وأنا أيضًا لم أبكِ.
في ديسمبر، بعد عام كامل من وصولي إلى سيول، لم تصل حوالة مالية.
بل جاءت مكالمة.
أجرينا اتصال فيديو مع جاراتي في عمّان، اللواتي كن يقلن سابقًا إن ليان بنت أصل لأنها ترسل المال.
رأين ابنتي نحيفة لكنها حيّة، والشال الأحمر على كتفيها، وثلاثة أطفال كوريين ېصرخون بالعربية
عيد سعيد يا جدتي!
بكت أم خالد.
وبكيت أنا أيضًا.
بعدها خرجنا للمشي قرب قصر غيونغبوكغونغ.
كان هناك سياح يرتدون الملابس الكورية التقليدية، وأضواء شتوية، وجبال داكنة خلف المدينة.
كانت ليان تمشي ببطء، مستندة إلى ذراعي.
وكان الأطفال يركضون أمامنا، يخلطون الكورية بالعربية، كأن العالم أخيرًا سمح لهم أن يحملوا جذرين في قلب واحد.
سألتني ليان
هل ستعودين إلى عمّان؟
نظرت إلى السماء البيضاء.
فكرت في حينا.
وفي شوارع عمّان في الشتاء.
وفي رائحة القهوة.
وفي صوت الباعة.
وفي سريري الفارغ.
ثم نظرت إلى أحفادي.
قلت
عندما تستطيعين العودة معي أو عندما لا تعودين بحاجة إليّ هنا.
ضغطت على يدي.
قالت
كنت بحاجة إليكِ طوال اثني عشر عامًا.
قلت بصوت مكسور
وصلت متأخرة.
قالت
وصلتِ وأنا ما زلت أستطيع أن أناديكِ.
كان ذلك غفرانها.
لم يكن كاملًا.
ولم يكن مثل غفران الروايات.
لكنه كان كافيًا كي أتنفس.
آخر مرة رأيت فيها الصورة ذات الشريط الأسود كانت داخل ملف الأدلة.
سألتني ناديا إن كنت أريد الاحتفاظ بنسخة.
قلت
لا.
لم أكن بحاجة إلى صورة لابنتي كأنها مېتة.
كان لدي ابنتي حيّة.
توبخ آدم لأنه لطخ كمّه بالطعام.
وتعلّم سارة أن تقول بالعربية لا تمزحي معي.
وتبكي عندما يطلب منها يزن أن تأخذه يومًا إلى عمّان ليأكل الكنافة.
واجهت السيدة كيم التهم.
وخسر جاي هون الشركة، والبيت، وحقه في أن يقرر مصير الجميع.
ربما يأتي يوم يقرر فيه أطفاله أي مكان سيمنحونه في حياتهم.
هذا لا يخصني.
ما يخصني شيء آخر.
أن أمشط شعر ليان الجديد.
أن أجلس بجوارها عندما تستيقظ خائڤة.
أن أعلّم أحفادي أن الجدات العربيات لا يقفن أمام الأشرطة السوداء إذا استطعن عبور العالم وفتح الأبواب.
وصلتُ إلى سيول ومعي معمول، وحلوى، وشال أحمر.
ظننت أنني سأحتضن ابنة بعيدة.
فوجدت قبرًا مزيفًا في صالة أنيقة.
ووجدت ثلاثة أطفال يدعون لأم حيّة.
ووجدت رجلًا وعد أن يحميها، لكنه لم يعرف كيف يسندها.
لكنني وجدت أيضًا صوتًا خلف باب مغلق.
ضعيفًا.
مبحوحًا.
وصوتي أنا كله كان يعيش داخله.
أمي.
وطالما أنا حيّة فلن يكون هناك باب مغلق، ولا مال،
ولا خوف، أقوى من كلمة واحدة قالتها ابنتي وهي ترتجف بين يدي
أمي.