بعد 15 سنة في السچن… عاد عمي لينقذ البيت الذي تخلّى عنه الجميع

لم يشعل الضوء.
وقف فقط عند الباب، بقميصه القديم الملطخ بالتراب، ويداه ممتلئتان بخدوش صغيرة.
قال بهدوء
راح تبيع البيت؟
شعرت بالخجل.
ما عندي خيار يا عمي. أمي تحتاج دواء. علينا ديون من ثلاثة أشهر، والناس ما تنتظر المعجزات.
نظر نحو غرفة أمي، حيث كانت نائمة بتعب، ونَفَسها ضعيف.
قال
أمك فتحت لي هذا الباب يوم كل الناس سمّوني عارًا وأنا لن أتركها تخسر بيتها لأنها كانت طيبة.
أردت أن أقول شيئًا، لكن الكلام وقف في حلقي.
اقترب عمي أبو علي، أخذ سترتي من فوق الكرسي ورماها لي.
تعال معي أريد أن أريك شيئًا.
قلت باستغراب
الآن؟
الآن قبل أن يوقّع اليأس بدلًا عنك.
خرجنا دون أن نوقظ أمي.
كنا نسكن في بيتنا القديم في الأعظمية، قريبًا من الأزقة التي تعرف وجوه أهلها، ومن بيوت بسيطة تشبه بعضها في التعب والستر.
في ذلك الوقت، كانت بغداد هادئة بطريقة غريبة.
لا ضجيج.
لا أصوات كثيرة.
فقط خطواتنا في الشارع، وصوت بعيد لكلب ينبح، وبرودة خفيفة تدخل في العظم.
مشى عمي باتجاه طريق جانبي بعيد عن الزحام.
لم نذهب إلى مكان أعرفه.
توقفنا عند رجل كبير في السن، كان ينتظرنا ومعه مصباح صغير.
قال الرجل
تأخرت يا أبو علي.
رد عمي
كدنا نتأخر أكثر يا أبو حسين.
ركبنا سيارة قديمة كانت واقفة عند طرف الطريق.
لم أفهم شيئًا.
بقيت صامتًا طوال الطريق.
كنت أعرف بغداد ببيوتها، شوارعها، تعب أهلها، وأسواقها التي لا تهدأ.
لكن في تلك الليلة رأيت وجهًا آخر.
وجهًا صامتًا.
باردًا.
يشبه سرًا لم يُفتح بعد.
بعد وقت، توقفنا عند أرض واسعة.
نزل عمي أولًا، ثم أشار لي أن أتبعه.
خطوت فوق تراب رطب، ورفعت رأسي.
تجمّدت في مكاني.
لم تكن أرضًا مهجورة.
كانت حقلًا كاملًا.
صفوف من الخضار ممتدة أمامي.
خس.
سبانخ.
كزبرة.
فجل.
بصل أخضر.
نعناع.
وبقعة صغيرة مزروعة بالذرة.
وعلى طرف الأرض كانت هناك غرفة خشبية صغيرة، وأكياس سماد مغطاة، وصناديق جاهزة للتعبئة.
كان هناك لوح خشبي مكتوب عليه بخط يدوي
أرض الأمل.
همست
ما هذا؟
ابتسم عمي لأول مرة منذ وقت طويل.
الشي اللي زرعته للناس الطيبين.
اقتربت من الصفوف.
كان التراب أسود ورطبًا.
رائحته غريبة.
لم تكن رائحة فقر.
ولا عقاپ.
كانت رائحة حياة.
سألته بصوت منخفض
أنت عملت كل هذا؟
ضحك أبو حسين بهدوء وقال
عمك جاء بحقيبة ممزقة ووجه كأنه خارج من قبر لكن كانت عنده يد فلاح، وخجل يكفي حتى يشتغل دون أن يراه أحد.
فتح عمي باب الغرفة الصغيرة.
في الداخل كانت هناك صناديق عليها أسماء، أدوات زراعة، أكياس بذور، دفاتر حساب، وطاولة فوقها أوراق مرتبة.
رأيت أسماء مطاعم صغيرة في الكرادة.
طلبات لمحلات خضار في المنصور.
توصيل لعوائل في الأعظمية.
وصناديق خضار أسبوعية لبعض البيوت.
سألت وأنا ما زلت لا أستوعب
هذا يجيب فلوس؟
قال عمي
ليس لشراء سيارات لكنه يكفي لدواء أمك، ويكفي حتى لا تبيع بيتها.
شعرت أن شيئًا انكسر في صدري.
قلت
لماذا لم تخبرنا؟
نظر نحو الأرض.
لأني عندما خرجت من السچن، لم أرد أن أرجع إليكم بكلام. أردت أن أرجع بشيء يمكن لمسه باليد.
أخرج ملفًا أخضر.
قال
اقرأ.
كانت فيه عقود.
تواريخ.
حوالات.
وصولات.
قائمة طلبات لشهر كامل سبانخ، خس، كزبرة، نعناع، فجل،