بعد 15 سنة في السچن… عاد عمي لينقذ البيت الذي تخلّى عنه الجميع


وتشاهد عمي وهو يعمل.
تقول له
أخوك كان سيفخر بك.
فيرد
وكان سيوبخني لأني تأخرت.
فتبتسم
الاثنين معًا.
سددنا أول الديون من طلبات الخضار.
ثم جاءت طلبات أكبر.
صرنا نبيع للمطاعم الصغيرة.
وللبيوت.
ولمن يريد طعامًا يعرف مصدره.
وفي كل أسبوع كنا نجهز صناديق خضار ونرسلها.
بعد سنة، تعاون عمي مع رجال آخرين يزرعون في أراضٍ قريبة.
وأصر أن يسمّي العمل
الناس الطيبين.
استغربت الاسم في البداية.
ثم فهمت.
لم يكن اسمًا فقط.
كان وعدًا.
يوم وقّعوا الأوراق، لبست أمي أقراطًا صغيرة.
ولبس عمي قميصًا أبيض.
أما أنا، فوضعت صورة أبي في جيبي.
بعدها اشترينا طعامًا بسيطًا وعدنا إلى البيت.
رفع عمي قطعة خبز كأنها كأس وقال
للذين يعودون حتى لو لم ينتظرهم أحد.
رفعت أمي كوبها وقالت
وللذين يفتحون الباب.
نظرت إلى يدي عمي المليئتين بالتراب.
قلت
وللذين يزرعون قبل أن يطلبوا الغفران.
ابتسم عمي وامتلأت عيناه بالدمع.
بعد سنوات، عندما كان أحدهم يهمس
هذا دخل السچن.
لم أعد أخفض رأسي.
كنت أقول
نعم. وخرج منه بخجل أكثر من ناس كثيرين عاشوا أحرارًا.
البيت لم يُبع.
طَليناه بلون أصفر هادئ.
وفي الحوش كبر الزرع الذي بدأه عمي بصمت.
نعناع.
ريحان.
بصل أخضر.
وفلفل صغير كانت أمي تتباهى به كأنه حفيدها.
ذات مساء، وأنا جالس قرب الأرض، سألت عمي أبو علي
ما أول شيء زرعته بعد خروجك؟
أشار إلى ثلاث نبتات قريبة من بعضها.
ذرة، وفاصوليا، وقرع.
سألته
لماذا؟
قال
لأن لا أحد ينجو وحده. الذرة ترتفع، والفاصوليا تتعلق بها، والقرع يحمي التراب. من يظن نفسه نبتة وحدها، يجف بسرعة.
نظرت إلى الأرض بصمت.
فكرت في أبي.
وفي أمي.
وفي الرجل الذي سموه عارًا، لكنه أنقذنا دون ضجيج.
قلت له
سامحني لأني شككت فيك.
تأخر عمي في الرد.
ثم وضع يده على كتفي.
شككت لأنهم حكوا لك أسوأ فصل في حياتي. الآن عرفت فصلًا آخر. انتبه أي فصل ستحكيه عني عندما لا أكون موجودًا.
وفعلت.
أحكيه كل مرة يظن أحد أن الإنسان الخارج من السچن لا مستقبل له.
وأحكيه كل مرة يريد شخص أن يبيع بيته من الخۏف.
وأحكيه كل مرة تقطع أمي النعناع من الحوش وتبتسم كأن الحياة ما زالت مدينة لها بصباح جديد.
لأن تلك الليلة، عندما ظننت أننا سنخسر كل شيء، لم يرني عمي أرضًا فقط.
أراني أن الكرامة تُزرع أيضًا.
وأن العائلة ليست من يجلس معك على المائدة عندما يكون الطعام موجودًا، بل من يضع يده في التراب معك عندما لا يبقى شيء.
وأحيانًا الرجل الذي يسميه الجميع عارًا، يكون الوحيد الذي يعود وفي جيبه بذور.