رواية جديدة

توقيعي أنا.
لكنني أقسم أنني لم أوقّع على شيء كهذا.
ارتجفت الورقة بين أصابعي، رغم أنني لم أكن ألمسها أصلًا.
كانت ورقة قديمة، ممسوحة ضوئيًا، عليها شعار مستشفى خاص في بغداد لم أسمع باسمه منذ سنوات.
وفي أعلاها مكتوب
إشعار الزوجة وموافقة على سرية المعلومات الطبية.
وفي الأسفل، قرب اسمي، كتب أحدهم كڈبة بحبر أسود
تقرّ السيدة إلهام السامرائي بأنها اطلعت على تشخيص زوجها جاسم الكاظمي، وتطلب عدم تزويدها بأي معلومات طبية إضافية حول حالته.
نظرتُ إلى جاسم.
أي تشخيص؟
بقي واقفًا، ويداه مشدودتان على حافة المكتب.
كان وجهه شاحبًا، كأن الډم انسحب منه فجأة.
إلهام خلينا نطلع.
قلت فورًا
لا.
أخذ الطبيب نفسًا طويلًا.
أستاذ جاسم، تحاليلك الحالية لا تُظهر وجود المړض المذكور في الملف القديم. لكن قبل ثمانية عشر عامًا ظهر لديك فحص أولي يحتاج إلى تأكيد، وتمت كتابة توصية بالامتناع عن أي علاقة زوجية إلى حين إجراء فحوصات إضافية.
سقطت الكلمة فوق رأسي مثل حجر.
لم يكن خۏفي من المړض.
بل من السنوات الثمانية عشر التي تغيّر شكلها أمامي في لحظة واحدة.
قلت بصوت مكسور
أنت ظننت أنني أنا السبب؟
أغمض جاسم عينيه.
لم يجب.
ولم أكن بحاجة إلى جواب.
تابع الطبيب بصوت منخفض
المشكلة أن الملف لا يحتوي على فحص تأكيدي صحيح. لا متابعة طبية واضحة، لا علاج مسجل، فقط نتيجة أولية وهذه الورقة التي تحمل توقيع السيدة إلهام.
نهضت ببطء.
احتكّ الكرسي بالأرض.
أنا لم أعرف شيئًا.
فتح جاسم عينيه.
ولأول مرة منذ ثمانية عشر عامًا، نظر إليّ كأن الجدار بيننا بدأ يتشقق.
أنا رأيت توقيعك.
قلت بحړقة
ولهذا سكتّ؟
ظننت أنك تعرفين. ظننت أنك وقّعتِ حتى لا نتكلم في الموضوع أبدًا.
ضحكت.
لكنها لم تكن ضحكة.
كانت وجعًا.
ثمانية عشر عامًا تتعشى أمامي ولم تقدر أن تسألني؟
خفض عينيه.
وأنتِ أيضًا لم تسأليني لماذا لم أعد أستطيع لمسك.
هذه الجملة آلمتني أكثر من كل شيء.
لأنها كانت صحيحة.
أنا ملأت كل الفراغات بالذنب.
بنيت سجني بيدي، وكتبت على بابه
أنا أستحق.
خرج الطبيب وتركنا وحدنا دقائق.
أغلق الباب بهدوء، كأن الصوت نفسه قد يكسر ما تبقى منا.
جلس جاسم.
وبدا فجأة أكبر من عمره.
لم يكن الرجل البارد الذي عاقبني.
كان رجلًا متعبًا، مدفونًا داخل قصة لم يفهمها هو أيضًا.
قال بصوت منخفض
بعد موضوع مازن رحت أسوي فحوصات. كنت خائفًا. واحد من زملائي في السكك دلّني على مستشفى خاص قديم قريب من منطقة العلاوي.
تجمّد اسمه بيننا.
مازن.
حتى بعد كل هذه السنوات، ظلّ الاسم يلوّث الهواء.
سألته
في بغداد؟
هز رأسه.
قريب من محطة القطار القديمة. كنت وقتها أتنقل بين الورش والسكة والمحطة. أعطوني النتيجة داخل ظرف مغلق.
صمت لحظة.
ثم أكمل
قالوا إن النتيجة تحتاج تأكيد. وقالوا لي لازم أبتعد عنك لحد ما تتضح الأمور. سألت عنك قالوا إنهم أبلغوك.
قلت بسرعة
لا.
وأروني نسخة بتوقيعك.
وضعت يدي على فمي.
الخطيئة كانت خطيئتي.
لكن الكذبة التي دفنتنا لم تكن كذبتي.
سألته
لماذا لم تؤكد الفحص؟
أخرج نفسًا طويلًا.
لأنني جبنت. خفت. استحيت. شعرت أن الله يعاقبني على شيء دخل بيتنا بسبب غلطتك. كنت أراكِ في المطبخ، مکسورة من الداخل، وأظن أنك تعرفين كل شيء وتختارين الصمت.
قلت
وأنا كنت أظن أنك تكرهني.
قال بهدوء مؤلم
أحيانًا كنت أكرهك.
لم يقلها ليؤذيني.
قالها لأنه أخيرًا بدأ يقول الحقيقة.
ثم همس
لكن خۏفي كان أكبر. كنت أخاف ألمسك فأؤذيك. أخاف يومًا يعرف أولادنا أن أباهم عرّض أمهم للخطړ. دخلت غرفة الضيوف وبعدها لم أعرف كيف أخرج منها.
فكرت في ثمانية عشر عامًا من البرودة.
في أعياد بلا قبلة.
في عزاء أبي بلا حضڼ.
في يدي التي امتدت آلاف المرات في خيالي، ثم تراجعت قبل أن تلمسه.
قلت