رواية جديدة


ضاعت منّا نصف حياة.
رفع جاسم عينيه.
أنتِ أخذتِ الثقة أولًا.
لم أستطع الدفاع عن نفسي.
قلت
نعم.
قال بصوت مكسور
لكن شخصًا آخر أخذ كل ما بقي.
عاد الطبيب ومعه ملف جديد.
طلبت مراجعة كاملة للتحاليل. أستاذ جاسم، فحوصاتك الحالية سلبية. لا يوجد دليل على وجود المړض. سنعيد الفحوصات للتأكيد حسب الإجراء الطبي، لكن الملف القديم غير منتظم إطلاقًا.
تمسكت بحافة المكتب.
سلبية.
ثمانية عشر عامًا.
سلبية.
أما جاسم فلم يتحرك.
الخبر لم يحرره.
بل كسره أكثر.
سألت الطبيب
من يستطيع تزوير توقيعي؟
قال بهدوء
هذا لم يعد موضوعًا طبيًا. هذا صار موضوعًا قانونيًا.
خرجنا من العيادة بصمت.
كانت شوارع المنصور مبللة من مطر خفيف.
السيارات تمر ببطء، والناس يمشون تحت المظلات، وكأن بغداد تعيش يومًا عاديًا جدًا
بينما حياتي كلها كانت تتبدل.
في سيارة الأجرة، لم نتكلم.
لكن هذا الصمت لم يكن عقابًا.
كان ركامًا.
عندما وصلنا البيت، لم يذهب جاسم إلى غرفته.
وقف في الصالة قرب المكتبة، حيث ما زالت صور سارة وعلي بملابس المدرسة القديمة، بابتسامات بريئة وأسنان صغيرة غير مكتملة.
قال فجأة
عندي الظرف.
سألته
أي ظرف؟
ظرف المستشفى. لم أرمِه أبدًا.
دخل غرفة الضيوف.
لم أدخل تلك الغرفة منذ سنوات.
ليس احترامًا.
بل خوفًا.
كانت منفاه الصغير
سرير مفرد.
مصباح قديم.
قمصان مرتبة بحزن.
وصندوق معدني تحت الطاولة الجانبية.
فتح الصندوق.
كان داخله أوراق، إيصالات، صورة قديمة لنا على كورنيش دجلة، مسبحة صغيرة، وظرف أصفر باهت.
وضعه على السرير.
لم أستطع حرقه.
فتحناه.
النتيجة.
ورقة الإشعار المزورة.
بطاقة المستشفى.
وإيصال مدفوع نقدًا.
اسم الطبيب جعل رأسي يدور.
الدكتور حارث الربيعي.
الربيعي.
مازن الربيعي.
مورد المدرسة.
الرجل الذي دمّرت بسببه زواجي.
همست
لا
نظر إليّ جاسم.
ماذا؟
أخرجت هاتفي بيدين مرتجفتين، وبحثت عن رقم قديم لزميلة كانت تعمل معي في المدرسة الأهلية.
اسمها نادية.
كانت سكرتيرة الإدارة، وكانت دائمًا تعرف أكثر مما تقول.
ردّت بعد عدة رنات.
إلهام؟ يا الله وينك من زمان؟
قلت بلا تمهيد
نادية، أحتاج أسألك سؤالًا صعبًا. مازن الربيعي المورد القديم كان عنده أحد من أهله يعمل بالطب؟
ساد صمت قصير.
أخوه كان مختبرجي أو طبيب تحاليل اسمه حارث. لماذا؟
جلست على سرير جاسم.
كل شيء بدأ يدور حولي.
مازن لم يكن فقط غلطتي.
كان الباب الذي دخلت منه الکاړثة.
سألتها
تتذكرين متى توقف مازن عن التعامل مع المدرسة؟
ترددت.
بعد ما طردوه.
طردوه؟
إلهام أنتِ لم تعرفي؟
لا.
المديرة اكتشفت أنه كان يرفع الفواتير. حاول يورّطك ويقول إنك كنتِ توافقين على الدفع. لكن ما كان عنده توقيعك على الشيكات، فطردوه. عمل مشكلة كبيرة وقال إنك خربتِ حياته.
شعرت أن الډم انسحب من جسدي.
وجاسم كان يسمع كل كلمة.
سألتها بصوت مخڼوق
هل كان يعرف شيئًا عن جاسم؟
قالت
لا أعرف. لكن مرة رأيته واقفًا خارج المدرسة يتكلم مع رجل من معارف زوجك، كان يلبس جاكيت عمل تابع للسكك. مازن كان يسأل كثيرًا عنه.
أغلقت المكالمة.
كان جاسم جامدًا في مكانه.
قال بصوت منخفض
مازن كان يتتبعني.
لم تكن سؤالًا.
رأيت الخطة كاملة.
مازن المطرود.
مازن الغاضب.
مازن الذي يملك أخًا داخل مستشفى.
مازن الذي عرف أن جاسم سيجري فحوصات بعد اكتشافه خيانتي.
مازن الذي استخدم ذنبي كسمّ مثالي.
قلت
لازم نشتكي.
ضحك جاسم ضحكة يابسة.
بعد ثمانية عشر سنة؟
نعم.
وماذا سنقول؟ إننا كنا أغبياء كل هذه السنوات؟
آلمني كلامه.
قلت
سنقول إنهم كذبوا علينا.
قال بحدة
أنتِ كذبتِ أولًا.
وقفت أمامه.
نعم يا جاسم. نعم. خنتك. كنت أنانية وجبانة وضعيفة. لكنني لم أزوّر فحصًا. لم أزوّر توقيعًا. لم أحكم عليك أن تعيش مؤمنًا أنك مريض. ولم أحكم على نفسي أن أعيش جاهلة بالحقيقة.
غطّى وجهه بيديه.
ولأول مرة منذ ليلة المطر تلك
بكى جاسم.
لم يصدر صوتًا.
فقط انحنى كأن ظهره لم يعد يحتمل.
وقفت أمامه لا أعرف إن كان لي حق أن ألمسه.
بعد ثمانية عشر عامًا،