رواية جديدة


فنجانه الأزرق على الطاولة الجانبية في غرفتنا.
لم يقل شيئًا.
وأنا لم أقل شيئًا.
فقط أزحت بعض الأغراض، وتركت له مكانًا.
في مساء آخر، اتصلت سارة عبر الفيديو، فرأتنا جالسين معًا على الكنبة.
لسنا متعانقين.
لكننا معًا.
بقيت تنظر إلينا بصمت.
قالت
غريب أشوفكم هيچ.
سألها جاسم
غريب زين لو غريب مو زين؟
بكت.
غريب كان لازم يصير من زمان.
أما علي، فأخبرني بعد أسبوعين أنه بدأ جلسات علاج نفسي.
قالها كأنه يعترف بخطأ.
لا أريد أكرر حياتكم.
قلت له
افعلها أفضل منّا.
اليوم لا أعرف ماذا أسمي زواجي.
نحن لسنا كما كنا.
ولسنا غرباء.
أحيانًا يمسك جاسم يدي ونحن نعبر الشارع، وهذا الفعل الصغير يخطف أنفاسي أكثر من أي كلام كبير.
وأحيانًا أراه ينظر إليّ وفي عينيه ظل قديم.
وأحيانًا أستيقظ أنا وذنب السنوات يعض قلبي من جديد.
لكننا نتكلم.
أخيرًا نتكلم.
تعلمت أن الذنب قد يكون عادلًا في البداية، لكنه إذا بقي وحيدًا طويلًا، يربي وحوشًا داخله.
أنا كنت مذنبة بخيانتي.
وجاسم كان مذنبًا بصمته.
ومازن وأخوه كانا مذنبين بقسۏة محسوبة.
لم يخرج أحد منا نظيفًا.
لكن الحقيقة لم تأتِ كي تنظفنا.
جاءت كي تجعلنا نختار.
في صباح هادئ، بعد عام تقريبًا من ذلك الفحص، دخل جاسم إلى المطبخ يحمل فنجاني قهوة.
وضع فنجاني أمامي.
لم تكن قهوة معاد تسخينها.
كانت طازجة.
قال
إلهام.
رفعت عيني.
نعم؟
تردد.
هذا الرجل الذي حمل أدوات ثقيلة، وسككًا، ووجعًا، وصمتًا طويلًا
تردد مثل شاب صغير.
قال
تمشين معي؟
لم يقل هل تسامحينني؟
ولم يقل هل نعود؟
قال فقط
نمشي.
نظرت من النافذة.
مازن صار ماضيًا.
والملف صار محفوظًا.
والأولاد بدأوا يتعلمون الكلام من جديد.
والبيت، بيتنا، لم يعد باردًا كما كان.
أخذت عباءتي الخفيفة.
وقلت
نعم يا جاسم.
خرجنا.
كانت بغداد تفوح برائحة خبز الصباح، ومطر قديم، وشارع بدأ يستيقظ ببطء.
مشى إلى جانبي.
وبعد نصف شارع، بحثت يده عن يدي.
هذه المرة
لم يتوقف.
وفهمت أن بعض البيوت المکسورة لا تعود كما كانت.
لكن بعضها، إذا نجا من الكذبة الصحيحة، لا يعود بيتًا فقط
بل يتحول إلى طريق يمشي فيه اثنان، ببطء، لكن بصدق.