رجعت من الغربة لأحضن أهلي… فاكتشفت إن أخوي باعهم قبل ما يبيع البيت!

دخلت السيارة السوداء وهي ترفع الغبار، كأن الساحة نفسها كانت خائڤة.
نزل رجلان أولًا.
كانا يرتديان أحذية نظيفة، وملابس مرتبة.
ثم نزل كريم الساعدي.
رجل عريض الجسد، بشارب رمادي، وعينين متعبتين تشبهان عيني أفعى عجوز.
لم ينظر إلى الحفلة.
لم ينظر إلى سيف.
نظر إليّ أنا.
إذن أنتِ نور قالها كأن اسمي مرّ في فمه البنت التي رجعت من الغربة.
ركضت رنا نحوه، لكنه أوقفها بيده.
عمي، هي وصلت فجأة. كنت سأرتّب الموضوع.
عمي.
سقطت الكلمة في الساحة مثل حجر.
ابتلع سيف ريقه.
أنا شددت على يد أمي.
وأبي كان يرتجف تحت البطانية، لكن عينيه، لأول مرة منذ دخلت، كانتا مستيقظتين.
ماذا يوجد تحت مطبخي؟ سألت.
ابتسم كريم.
لا شيء يخصك.
كل شيء هنا يخصني، حتى لو زورتم الأوراق.
ضحك أحد الرجلين.
أما كريم فلم يضحك.
مشى ببطء حتى الطاولة الكبيرة، أخذ قطعة خبز ساخنة من الصاج، وعضّها دون أن يستأذن أحدًا.
رائحة اللحم المشوي، والليمون المقطوع، والصحون المفتوحة أمامهم جعلت معدتي تنقلب.
كان هذا الطعام الذي تخيلته يومًا لأستقبل به أبي وأمي.
لا ليحتفلوا بسړقتي.
اسمعي يا بنت قال كريم أنتِ جئتِ بأفكار الغربة. تظنين أنكِ لأنكِ أرسلتِ الدولارات صرتِ تعرفين كيف تسير الأمور هنا. هنا الأمور تُحل بالكلام.
بالكلام أم بټهديد الكبار؟
شدتني أمي من ذراعي.
لا يا بنتي.
لكن لم يعد هناك رجوع.
الټفت كريم إلى أبي.
أبو علي، قلت لك اغلق فمك.
رفع أبي رأسه.
كان الأمر صعبًا عليه، كأنه يحمل أكياس حنطة فوق رقبته.
تعبت.
كلمة تعبت كسرتني أكثر من أي بكاء.
اقترب منه سيف غاضبًا.
أبي، لا تفعل هذا.
لا تقل لي أبي أجابه أبو علي.
صمتت الساحة كلها.
حتى الأطفال توقفوا عن الركض بين الزينة.
فرقع كريم لسانه بضيق.
أخرجوا الناس.
جمع الرجال أغراضهم بسرعة.
والنساء حملن الأكياس والأطفال.
وغادر الضيوف بلا وداع، عيونهم في الأرض، كما يغادر الناس عندما يعرفون أنهم رأوا أكثر مما يجب.
خلال دقائق، تحولت الحفلة إلى قمامة فوق بيتي.
صحون بلاستيك.
مشروب مسكوب.
زينة بدأت تهبط.
وفي وسط كل هذا، كانت أمي لا تزال ترتدي المريلة المتّسخة.
خلعتها عنها بهدوء.
آخر مرة قلت لها.
بدأت تبكي بصمت.
نظر كريم إلى سيف.
المطبخ. الآن.
توترت رنا.
عمي، لكن سند الملكية لم يكتمل بعد. المحامي لم يوافق
لهذا جئت.
رفعت هاتفي.
كانت المكالمة مع المحامي جاسم لا تزال مفتوحة.
أستاذ جاسم، هل سمعت؟
خرج صوته من الطرف الآخر ثابتًا
سمعت كل شيء يا أستاذة نور. أنا في الطريق ومعي شاهدان والشرطة. لا تلمسي أي ورقة. ولا تسمحي لهم بتخريب أي شيء.
حدق بي كريم.
لأول مرة، اختفت ابتسامته.
أعطيني الهاتف.
تعال خذه.
تقدم أحد رجاله.
لكن أبي فعل شيئًا لم يتوقعه أحد.
وقف.
سقطت البطانية على الأرض.
ارتجفت ساقاه النحيلتان، لكنه أمسك الكرسي المكسور كأنه عكاز، ووقف أمامي.
لا أحد ېلمس بنتي.
نظر إليه كريم باحتقار.
ما زلت تظن نفسك رجلًا يا أبو علي؟
تنفس أبي بعمق.
لا. لم أعد كذلك. لكنني أب.
وكان هذا كافيًا.
تحركت أمي خلفي وأمسكت سكينًا من الطاولة.
لم ترفعه.
فقط أمسكته.
وتوقفت يداها المتورمتان عن الارتجاف.
رآها سيف، وانكسر وجهه.
أمي
أنت نزعت هذا الاسم مني يوم جعلتني أنام في غرفة الغسيل قالت.
اڼفجرت رنا.
يا الله! نحن أعطيناهم سقفًا وطعامًا!
نظرت إليها أمي.
أعطيتموني البقايا.
لم يرد أحد.
دفع كريم باب البيت ودخل كأنه صاحبه.
ذهبت خلفه.
وكان أبي وأمي ملتصقين بي.
وحين حاول سيف أن يمنعهما، لم يجرؤ.
كان المطبخ جميلًا.
سيراميك فاتح.
فرن كبير.
ونافذة تطل على الأرض المزروعة.
كنت قد أرسلت المال لكل شيء.
لهذا الرخام.
لهذا الحوض.
لهذه الأرضية.
أشار كريم إلى وسط المطبخ.
هنا.
ذهب سيف وجاء بعتلة حديد.
وبقيت رنا عند الباب، تعض أظافرها الصناعية، الأظافر التي ربما اشتُريت هي أيضًا من مالي.
تكلم أبي بصوت منخفض.
قبل هذا المطبخ كانت هنا أرض ترابية. جدك بنى غرفة صغيرة. وأنا دفنت صندوقًا عندما كانت أمك حاملًا بك.
لماذا؟
امتلأت عيناه بالماء.
لأن كريم قتل رجلًا.
اختفى الهواء من صدري.
ضحك كريم بصوت