رواية كامله


فينا اتحرك من مكانه.
لثواني، مكنش فيه صوت غير صوت المروحة وهي بتلف ببطء في السقف.
وفجأة.. ظهر ياسر في الطرقة.
أول ما شافني واقفة جنب العيال، وشه اتخطف ولونه بقى أصفر زي الكركم.
الشنطة وقعت من إيده على الأرض.
كريمة؟!
صوته طلع مهزوز.. كأنه كان عارف إن اللحظة دي جاية جاية، وإن كل حاجة انتهت.
بصيت له وأنا مش حاسة پغضب.. كنت حاسة بتعب رهيب، فراغ غريب جوه صدري.
البنت جريت عليه فوراً
بابا!
الكلمة دي اخترقت جسمي كله زي السهم.
بابا.. مش خالو، ولا عمو.. بابا.
ياسر حضڼ الولدين بتلقائية، بس عينيه كانت مثبتة عليا.. عينين مليانة خوف.. خوف حقيقي.
من إمتى؟
صوتي طلع واطي.. طالع بالعافية.
مسح وشه بإيده.. ملامحه فجأة كبرت وعجزت.
من قبل ما أعرفك.
غمضت عيني لحظة.. يعني طول تمان سنين، كنت عايشة مع راجل مخبي عني نص حياته!
ياسر كمل كلامه وهو بيحاول يهديني قبل ما أنفجر
هما اتولدوا قبل جوازنا.. وأمهم اټوفت ومروان لسه لحمة حمراء.
بصيت للعيال تاني.. البنت ليلى شكلها عندها ٨ سنين، والولد مروان يمكن ٦.
جمال، ومتربيين، وشكلهم مش فاهمين أي حاجة من اللي بتحصل.
وفي اللحظة دي أدركت أصعب حقيقة.. إن العيال دي ملهاش أي ذنب.. ملهومش ذنب خالص.
ليه عملت فيا كدة؟
سألته السؤال اللي كان بياكل قلبي.
اتنفس بعمق، ومقدرش يحط عينه في عيني
خفت.. خفت لو عرفت تمشي وتسيبيني.
ضحكت ضحكة قصيرة.. ضحكة مکسورة مفيهاش أي فرح
وتخبي ولادك تمان سنين كان الحل الأحسن؟
قرب مني خطوة
في البداية كنت عاوز أقولك.. والله العظيم.. بس كل ما الوقت يعدي الموضوع كان بيصعب.. لحد ما بقى كرة تلج وبتكبر.
هزيت راسي ببطء
لا يا ياسر.. دي مابقتش كرة تلج.. دي بقت حياة تانية.. حياة موازية.
السكوت نزل زي الجبل على البيت.
الحاجة فاطمة فضلت واقفة عند الباب، مقدرتش تتدخل.. كان باين عليها إنها تعبت من الكذبة دي ومن شيل الهم ده من زمان.
أنا كنت بس عاوز أحميهم.
ياسر قالها بيأس.
بصيت في عينيه مباشرة لأول مرة
لا.. أنت كنت عاوز تحمي نفسك أنت.
سكت.. لأنه عرف إني صح.
ليلى كانت بتراقبنا في صمت.. وبعدين مشيت براحة لحد ما وقفت قدامي
أنتِ مرات بابا؟
السؤال ده هدّني أكتر من أي كڈبة تانية.
بصيت لها.. طفلة بريئة وجميلة.
هزيت راسي ب أيوه.
ضغطت على قلم التلوين اللي في إيدها وقالت
هو كان بيقول لنا إن لسه بدري عشان نشوفك.
قلبي وجعني أكتر.. وياسر غمض عينه بكسوف وقلة حيلة.
سألتها بصوت واطي
اسمك إيه؟
ليلى.. وده مروان.
الولد رفع إيده بكسوف وسلم عليا.
حسيت إني عاوزة أعيط.. بس مدمعتش.
في حاجة جوايا كانت بتتكسر في صمت.. كسر ملوش علاج.
بصيت في الأوضة البسيطة.. الهدوم المطبقة.. اللعب القديمة.. الرسومات اللي ملزقة بسلوتيب
على الحيطة.
فهمت كل حاجة.. ياسر مكنش بيجي هنا عشان يزور أمه.. كان بيجي يعيش النص التاني من حياته.. النص اللي مسحه من حياتنا إحنا.. طول تمان سنين.
أعياد ميلاد، ورمضان، ومأموريات شغل