أمي ابتلعت سرًّا خطيرًا قبل أشهر… وعندما ظهر داخل الأشعة شحب وجه زوجي فجأة


لو تتحرك خطوة لأحرق وجهك بهذا الشاي يا قليل الأصل!
توقف مكانه.
وأصبح محاصرًا بين الشرطة والحي الذي لم يعد يخافه.
قيّدوه هناك
تحت الضوء الأبيض البارد للمستشفى.
وأثناء أخذه، ظل ينظر إليّ كأنه ما يزال قادرًا على إعادتي إلى الخۏف.
قال
راح تندمين.
رفعت ذراعي أمامه.
كانت آثار أصابعه واضحة على جلدي.
ثم قلت
لا أنا فقط بدأت أتذكر من أكون.
استيقظت أمي مع الفجر.
فتحت عينيها ببطء شديد.
اقتربت منها فورًا.
كان صوتها متعبًا وجافًا.
وهو؟
معتقل.
نزلت دمعة صغيرة نحو أذنها.
همست
والكبسولة؟
ابتسمت رغم دموعي.
وقلت
تكلمت يا يمّه.
أغلقت عينيها
وظهرت ابتسامة خفيفة على وجهها.
ثم قالت بصوت واهن
قلتلك جسدي راح يحچي عني بنفسه.
بعد أيام طويلة من التحقيقات والتواقيع والمحامين
اكتشفت أشياء كانت تؤلمني كلما بقيت وحدي.
عرفت أن سيف استخدم اسمي في قروض لم أكن أعرف عنها شيئًا.
وأنه كان قد فتح بوليصة تأمين باسمي.
وأنه حاول تقديم أمي على أنها امرأة تعاني اضطرابات عقلية حتى لا يصدق أحد أي بلاغ تقدمه ضده.
وعرفت أيضًا أن أمي ذهبت ثلاث مرات إلى مركز حماية الأسرة
وفي كل مرة كانت تصل إلى الباب ثم تعود.
خوفًا عليّ.
تلك الفكرة كانت تقتلني.
الأمهات أحيانًا يتحطمن بصمت وهن يظنن أن هذا يحمي أبناءهن.
وعندما عادت أمي أخيرًا إلى بيتها
كانت شجيرات الياسمين متعبة، لكنها ما تزال حيّة.
أم قاسم كانت قد نظفت الفناء، وسقت النباتات، وتركت قدر مرق فوق الموقد.
وصورة أبي بقيت في مكانها، وبجانبها شمعة جديدة.
أما الدفتر الأزرق
فلم يعد دفترًا عاديًا.
أصبح دليلًا رسميًا.
مشت أمي ببطء نحو كرسيها الهزاز.
وقالت وهي تنظر إلى البيت
توقعت أني ما أرجع.
قلت
وأنا أيضًا.
جلست قرب النافذة.
في الخارج مرّ بائع بطاطا وهو ينادي بصوته المعتاد، ومن بعيد كان صوت القطار يمر فوق الجسر
الحديدي.
بغداد بقيت كما هي
صاخبة.
متعبة.
لكنها مليئة بأناس ينقذون بعضهم دون أن يكتب أحد أسماءهم.
بعد أسابيع
أخذت أمي إلى الكاظمية.
لم نستطع المشي كثيرًا لأن جسدها كان ما يزال يتعافى.
جلسنا قرب الساحة الخارجية، والهواء يحمل رائحة التراب الحار والذرة المشوية ودعوات الناس.
ظلت تنظر أمامها بصمت طويل.
ثم قالت فجأة
أبوك طلبني للزواج هنا.
ابتسمت بدهشة.
أول مرة تقولين لي هذا.
نظرت نحوي بهدوء.
بعض الأشياء يحتفظ بها الإنسان إلى أن تتوقف عن إيذائه.
أمسكت يدها.
قلت
لا تخفين شيئًا وحدك مرة ثانية يا يمّه.
ضغطت على أصابعي بلطف.
وإنتِ أيضًا.
لم تحدث معجزة سينمائية بعدها.
لم تختفِ الديون فجأة.
ولم تعد السنوات الضائعة.
لكن أمي أصبحت تتنفس دون ألم
وأنا عدت إلى حياتي دون أن أطلب الإذن من أحد.
وفهمت أخيرًا أن العدالة لا تأتي دائمًا كعاصفة.
أحيانًا تأتي كصورة طبقي محوري
وكبسولة صغيرة
وجارة تحمل دفترًا أزرق تحت عباءتها
وأم تبتلع خۏفها كله حتى تمنح ابنتها فرصة لتقول الحقيقة.
ومنذ ذلك اليوم
كلما رأيت أمي جالسة قرب النافذة، صغيرة ومتعبة لكن ما تزال صامدة
أتذكر كيف قال سيف إنها فقط تريد اهتمامًا.
وربما كان محقًا بشيء واحد فقط.
أمي فعلًا كانت تريد من أحد أن ينظر.
وعندما نظرنا أخيرًا
وجدنا داخل جسدها ليس مرضًا فقط
بل شهادة كاملة ضد الرجل الذي حاول ډفن الحقيقة
معها.