أخي كان يسحب راتب والدي المصاپ بالخرف كل شهر... لكن ما حدث داخل المصرف قلب كل شيء رأسًا على عقب!


ندخل إلى المكتب.
أخذ الشرطيان حيدر جانبًا، من دون أن يضعا القيود في يديه بعد، لكن أعينهما كانت تراقب حركته.
دفعت كرسي أبي.
وأثناء مرورنا داخل المصرف، كان ينظر إلى اللوحات، والكراسي، والأرض اللامعة.
هذه ليست المحطة.
تمتم.
لا يا أبي. لكننا سنخرج بعد قليل.
داخل المكتب، شرح لي المدير أن المصرف سيرفع تقريرًا داخليًا، وأن عليّ مراجعة الجهات المختصة بالوثائق. وقال أيضًا إنه بسبب حالة أبي، من المهم إبلاغ الجهة المعنية بحماية كبار السن ومنع استغلالهم.
كنت أهز رأسي من دون أن أشعر به.
قضيت أشهرًا أجمع الأوراق، لكن لا أحد يهيئك للحظة التي تتحول فيها تلك الأوراق إلى جدار بين أبيك وابنه.
كان حيدر جالسًا أمامي، يضرب الأرض بكعب حذائه.
قال فجأة
انظري كيف أصبح. لعابه على فمه. ضائع بالكامل. وبعد كل هذا تريدين أن تجعليني أبدو وحشًا؟
رفعت عيني إليه.
لم أحتج أن أجعلك تبدو شيئًا. أنت أتيت وحدك.
طلب الشرطي بياناته.
رفض حيدر في البداية.
ثم أخرج محفظته بغيظ، وكأنه ما زال يتفضل علينا.
وبين هوياته سقطت ورقة مطوية.
رأيتها قبل أن يلتقطها.
كانت وصلًا من محل رهن في بغداد.
وكان اسم أبي مكتوبًا عليها.
لم أفهم فورًا.
ثم شعرت أن الډم هبط إلى قدمي.
ماذا رهنت؟
سألته.
خبأ حيدر الورقة بسرعة.
لا شيء.
ماذا رهنت يا حيدر؟
أبي، الذي كان حتى تلك اللحظة يلعب بطرف الصورة التي وضعتها على المكتب، رفع وجهه فجأة.
ساعتي لا.
سكت الجميع.
أي ساعة يا أبي؟
نظر إلى معصمه الفارغ.
ساعة الخدمة. التي أعطوني إياها عندما أكملت ثلاثين سنة في الدوام. لا تضيعيها يا أم جاسم. هذه لحيدر.
اصفرّ وجه حيدر.
كانت تلك الضړبة الثانية.
ساعة أبي.
تلك الساعة ذات الغطاء المعدني، المحفور على ظهرها اسمه، التي كان يحتفظ بها ملفوفة بمنديل بين أوراقه القديمة. الساعة التي ظننت أنه أضاعها في إحدى نوبات نسيانه. الساعة التي كان ينظفها كل يوم جمعة وهو يحكي لنا عن أيام العمل، والبرد، والتعب، والطريق الطويل.
حيدر رهنها.
لم أستطع الكلام.
الڠضب صار شيئًا أصلب.
شيئًا لم يعد ېحرق.
قلت
هذا أيضًا سنضعه في الشكوى.
نهض حيدر پعنف.
كانت لي! هو قال إنها لي!
انكمش أبي في كرسيه.
وهذا المشهد أنهاني.
لم يكن المال.
ولا الساعة.
بل رؤية الحاج جاسم، الرجل الذي كان يومًا يحمل أكياس الطحين الثقيلة ويهابه العمال بنظرة واحدة، ېخاف من صوت ابنه.
أمره الشرطي بالجلوس.
شدّ حيدر على أسنانه،
لكنه جلس.
ثم تحدث أبي مرة أخرى، بصوت خاڤت جدًا
حيدر لا ېصرخ. حيدر كان طيبًا.
أغلق حيدر عينيه.
لأول مرة انكسر شيء في وجهه.
لم أعرف إن كان ذنبًا أم غضبًا.
ولم يعد يهمني.
خرجنا من المصرف بعد قرابة ساعة. في الخارج، بقيت المدينة كما هي بائع الشاي ينادي قرب الرصيف، السيارات تطلق أبواقها، رجل يبيع الخبز على عربة صغيرة، وصفارة بعيدة تختلط بضجيج الشارع.
لا شيء يتوقف في بغداد، حتى عندما تنكسر عائلة كاملة.
وصلت أمينة بسيارة أجرة بعدما اتصلت بها بصوت مرتجف. كانت تحمل كيسًا فيه سترة إضافية لأبي، وقنينة ماء دافئ.
حاج