أخي كان يسحب راتب والدي المصاپ بالخرف كل شهر... لكن ما حدث داخل المصرف قلب كل شيء رأسًا على عقب!


زال في مكانه.
كان حيدر واقفًا هناك.
بلا نظارة.
بلا عطر.
بلا وجه الرجل الذي يملك الدنيا.
وفي يده كيس بلاستيكي صغير.
أعدتها.
قال.
لم أفتح الباب فورًا.
كيف؟
بعت الهاتف.
كدت أضحك مرة أخرى.
لكنني لم أستطع.
فككت الجنزير.
دخل حيدر خطوتين فقط.
ووضع الكيس على الطاولة، كما يضع الإنسان شيئًا يريد به التكفير عما فعل.
داخل الكيس كانت الساعة.
كان المعدن مخدوشًا، لكنها كاملة.
وعلى ظهرها ما زال الاسم محفورًا
إلى جاسم عبد الله... تقديرًا لثلاثين عامًا من الخدمة.
غامت عيناي.
قلت له
هذا لا يغيّر شيئًا.
أعرف.
الشكوى مستمرة.
أعرف.
لن تلمس حسابه مرة أخرى.
أعرف يا سعاد.
نظرت إليه جيدًا.
بدا أكبر من ليلة أمس.
إذن لماذا جئت؟
تنفس حيدر بعمق.
ومن غرفة أبي جاءت سحبة سعال خفيفة.
الټفت حيدر نحو الغرفة، وامتلأت عيناه بالدموع.
لأنه عندما سمعته يقول إنني كنت طيبًا... تذكرت أنني فعلًا كنت كذلك يومًا ما.
لم أرد.
ليس لأنني لا أريد.
بل لأنني لم أعرف ماذا أفعل بهذه الجملة.
استيقظ أبي بعد نصف ساعة.
أجلسته على الطاولة مع شاي دافئ وقطعة كعك صغيرة. بقي حيدر واقفًا قرب الباب، مثل ضيف غريب في طفولته.
وضعت الساعة أمام أبي.
في البداية لم يتفاعل.
ثم لمس الغطاء بإصبعه.
فتحه.
ملأ صوت الدقات المطبخ.
صوت صغير.
عنيد.
يشبه المعجزة.
ابتسم أبي.
لم تكن ابتسامة ضائعة.
ولا مرتبكة.
ابتسم كما كان قديمًا.
هذه أعطوني إياها لأني لم أتغيب.
قال.
حتى يوم وُلد حيدر لم أتغيب. تأخرت على المستشفى، لكنني وصلت ومعي ورد.
غطى حيدر فمه بيده.
التفتُّ نحو النافذة كي لا أراه يبكي.
قال أبي
حيدر.
اقترب أخي ببطء.
أنا هنا يا حاج.
وضع أبي الساعة في كفه.
لثانية ظننت أنه سيهديها له مرة أخرى، وشعرت بالخۏف.
لكن أبي أغلق أصابع حيدر فوق الساعة وقال
احفظها في مكان لا تضيع فيه.
سقط حيدر على ركبتيه.
لم يسقط كما
في المسلسلات.
سقط بشكل ثقيل، مرتبك، مهزوم.
سامحني يا أبي.
مسح أبي على شعره.
لا تمشِ قرب السكة.
كررها فقط.
كان هذا كل شيء.
لم يكن هناك عناق كامل.
ولا موسيقى.
ولا معجزة تشفي الخرف.
ولا حكم يعيد الأشهر التي ضاعت.
الحياة لا تعمل بهذه الطريقة.
بعد أيام، وقّع حيدر تعهدًا بإعادة المال، وتقديم إيصالات، والابتعاد تمامًا عن حساب أبي. واستمرت الإجراءات، لأن سماح أب مريض لا يمحو الاستغلال. كما وافق على حضور كل المراجعات، وأنا طلبت إجراءات تمنعه من أخذ أبي من البيت من دون علمي.
بعض الأقارب قالوا إنني قاسېة.
وقالت إحدى عماتي إن الډم لا يصبح ماء.
أجبتها أن الډم أيضًا يحتاج من يعتني به، يطعمه، يغسله، ويدافع عنه عندما لا يستطيع الكلام عن نفسه.
منذ ذلك اليوم، لم تعد أيام الراتب تفوح منها رائحة الخۏف.
صارت تفوح برائحة الخبز الطازج، ودهان الكافور، وشاي الصباح، والعطر الرخيص الذي أضعه لأبي بعد أن أحلق له ذقنه.
أحيانًا يأتي حيدر.
لا يدخل غرفة أبي إذا لم أكن موجودة. يجلب خضارًا، وحفاضات، ووصولات. يجلس في المطبخ ويغسل الصحون من دون كلام كثير.
أبي يتعرف عليه أحيانًا.
وأحيانًا لا يتعرف.
وعندما لا يتعرف عليه، يخفض حيدر رأسه ويتقبل أقسى عقاپ
أن ينساه الرجل الذي أحبه أكثر من الجميع.
في عصر أحد
الأيام أخذناه إلى مكان السكة القديمة.
ليس إلى المصرف.
بل ليرى القطارات من بعيد.
كان أبي يرتدي سترته بشكل مرتب، والساعة في جيبه، وقطعة كعك ملفوفة بمنديل. وعندما سمع صوتًا بعيدًا يشبه الصافرة، أغمض عينيه.
وصل.
قال.
ضغطت على يده.
وكان حيدر واقفًا في الجهة الأخرى من الكرسي، صامتًا.
ولأول مرة منذ سنوات، لم يكن يدفع أبي وكأنه يحمل عبئًا.
كان يدفعه ببطء.
كمن يحمل دينًا.
كمن فهم متأخرًا أن بعض الآباء لا يتركون ميراثًا من المال، بل يتركون خجلًا، وذاكرة، وحبًا.
وبينما ابتعد الصوت في آخر الطريق، ابتسم أبي بذلك الضوء القصير الذي لم يستطع المړض أن يطفئه بالكامل.
هيا نرجع للبيت.
قال.
وهذه المرة، أطعناه نحن الثلاثة.