مكالمة أخيرة من القبو كشفت سر عائلة ظنّ الجميع أن نفوذها انتهى


الحكم عنها، لكن الأدلة أغرقتها معه. ثبت أنها شاركت في الاحتيال، وساعدت في التلاعب بالكاميرات، وأنها ألقت بنفسها على الدرج في تلك الليلة لتصنع سببًا لمعاقبتي.
صدر الحكم على قيس پتهم ثقيلة، منها التسبب بأذى جسيم، والاشتراك في جرائم منظمة، وغسل أموال، والتورط في الملف الذي دمّر عائلتي. تم وضع شركاته تحت الرقابة، وتجميد حساباته، وملاحقة شركائه، أما أصدقاؤه الذين كانوا يملؤون مجالسه، فقد اختفوا فجأة.
لم يرغب أحد في الجلوس قربه بعدما فقد قوته.
بعد ستة أشهر، خرجت من مبنى المحكمة تحت شمس بغداد.
كان عبدالجبار ينتظرني في الخارج. وبجانبه حسين، ومحامون قدامى من عائلة الراوي، وموظفون كانوا قد أُجبروا يومًا على الصمت. وعندما اقتربت منهم، خفضوا رؤوسهم باحترام.
أخذت نفسًا عميقًا.
لأول مرة منذ سنوات، لم يكن الهواء بطعم الخۏف.
سألني حسين
ماذا تريدين أن تفعلي الآن، ست زهراء الراوي؟
نظرت إلى مبنى المحكمة، ثم إلى المدينة.
وقلت
أستعيد ما سُرق منا... وأستخدمه لإخراج نساء أخريات من بيوت لا يسمع أحد صوتهن فيها.
بعد عام واحد، لم يعد قصر المنصور رمزًا للړعب.
أمرت بهدم القبو.
لم يطأ أحد بعد ذلك أرضيته الإسمنتية التي كدت أفقد حياتي فوقها.
وفي مكانه بنينا حديقة مفتوحة، مليئة بالورد والياسمين والنخيل الصغير ونوافير حجرية هادئة. وفي وسطها وُضعت لوحة بسيطة كتب عليها
لكل من ظن أن لا مخرج... هناك دائمًا باب.
في ذلك اليوم افتتحنا مؤسسة نور اليشم.
لم تكن مؤسسة للصور والاحتفالات والمظاهر. كانت مؤسسة حقيقية، فيها بيوت آمنة، ومحاميات، وطبيبات، وأخصائيات نفسيات، وخطوط طوارئ، ومراكز حماية في أكثر من محافظة عراقية. قدّم جدي ملايين الدنانير والدعم الكامل. أما أنا، فقد قدمت قصتي.
أمام مئات النساء، صعدت إلى المنصة من دون عصا.
رأيت أمهات يحملن أطفالًا صغارًا.
وشابات يخفين آثار الخۏف خلف نظارات داكنة.
ونساء كبيرات في العمر عشن سنوات طويلة من الصمت.
كنّ ينظرن إليّ وكأنهن يحتجن أن يصدقن أن الحياة يمكن أن تنكسر ثم تنهض من جديد.
أمسكت الميكروفون.
وقلت
قبل عام واحد... كنت ممددة في قبو، مقتنعة أن قصتي ستنتهي هناك.
ساد الصمت في الحديقة.
أكملت
جعلوني أصدق أنني بلا عائلة، وبلا قوة، وبلا أحد يمكن أن يأتي من أجلي. لكن مكالمة واحدة، وتصرف شجاع واحد، وشخص واحد قرر ألا يطيع أمرًا ظالمًا... غيّر مصيري.
بحثت بعيني عن حسين بين الحضور.
كان واقفًا بعيدًا، يبتسم ودموعه تلمع في عينيه.
قلت
اليوم أريد أن أقول لكل امرأة هنا لا يوجد بيت أغلى من حياتك. لا يوجد اسم عائلة، ولا زواج، ولا خوف، ولا كلام ناس، يستحق أن يسرق منك حقك في أن تعيشي حرة.
اڼفجر التصفيق كالمطر.
رفعت رأسي إلى سماء بغداد.
لسنوات كنت أعتقد أن الاڼتقام الحقيقي هو أن أرى قيس محطمًا.
لكنني كنت مخطئة.
العدالة الحقيقية لم تكن سقوطه.
كانت أن أرى نفسي حية.
حرة.
واقفة.
ومحاطة بنساء أدركن، بعد سماع قصتي، أن قصصهن ما زالت قابلة للنجاة.