😭 باع دمه ليربيني... وبعد 20 سنة قلت له: "لن أعطيك دينارًا واحدًا!"


الرسالة بيدين ترتجفان.
ظهر خط أمي كأنه صوت عائد من بعيد
أبو سيف، سيف ابنك. سامحني. الظروف فرّقت بيننا في الوقت الذي كان يجب أن نكون فيه معًا. وتحت ضغط العائلة اتخذت قرارات ندمت عليها طوال عمري. كبر سيف بعيدًا عن الحقيقة، بينما كنت أنت ترعاه وتعتني به وتمنحه حب الأب من دون أن تعرف أن الډم الذي يجري في عروقه هو من دمك. كل مرة كان يناديك فيها باسم أبو سيف كان قلبي ينكسر. أردت أن أخبرك مرات كثيرة، لكنني خفت أن أخسر ما تبقى من حياتنا.
أطلق أبو سيف صوتًا لم يكن بكاءً ولا صراخًا.
كان وجعًا قديمًا تأخر عشرين سنة.
همس
كنت أعرف.
تجمدت مكاني.
ماذا؟
ظل ينظر إلى الرسالة.
ليس بورقة. ولا بفحص. لكن عندما رأيتك وأنت رضيع... كانت أذناك تشبه أذني. ويداك تشبه يدي. وطريقتك في النوم ويدك مقبوضة... كانت مثلي. أمك قالت لي لا تسأل. وأنا لم أسأل.
سألته
لماذا؟
نظر إلي بعينين ممتلئتين.
لأنني لو سألت وقالت لا، كنت سأنكسر. ولو قالت نعم، ربما كنت سأغضب. فاخترت أن أحبك من دون إذن.
لم أعد أستطيع التماسك.
جلست على الأرض أمامه.
الرجل الذي باع دمه من أجلي كان يشعر طوال عمره أنني ربما ابنه، ومع ذلك لم يطالب بشيء.
ولا مرة.
ولا حتى عندما كنت مراهقًا وصړخت في وجهه وقلت له أنت لست أبي.
ولا عندما ابتعدت عنه بعد الجامعة، وكنت أتصل به مرة واحدة في الشهر على عجل، وكأن حكاياته عن السوق تأخذ من وقتي.
ولا عندما
بدأت أكسب المال وخجلت أن آخذه معي إلى مناسباتي لأن حذاءه كان قديمًا.
يا لخجلي.
كم يمكن للإنسان أن يكون فقيرًا من الداخل، حتى لو كان راتبه بالملايين.
قلت
يابه.
هذه المرة لم تكن عادة.
كانت حقيقة.
انهار أبو سيف.
احتضنني بقوة.
شممت رائحة قميصه القديم، العرق، الصابون الرخيص، ورائحة الشمس التي كانت تسكن ملابسه دائمًا. وفجأة عدت طفلًا في العاشرة، أبكي أمي، بينما هو يطبخ لي الرز والبيض ويتظاهر بأنه ليس ضائعًا مثلي.
قلت له
سامحني.
سألني
على شنو؟
قلت
لأنني تأخرت.
مسح على رأسي.
وصلت يا ولدي. أحيانًا الإنسان يتأخر حتى يصل إلى مكان كان ينتظره من زمان.
كانت مريم تبكي بصمت.
ثم ضړبت كتفي بخفة وقالت
وإياك مرة ثانية تعمل تمثيلية على رجل مريض.
ضحك أبو سيف من بين دموعه.
زوجتك قوية.
قلت
أكثر من اللازم.
قال
زين. حتى أحد يرعاك لما تصير غبي.
في ذلك اليوم لم نرجع إلى شقتي الجميلة.
ذهبنا إلى ضفة دجلة.
قال أبو سيف إنه يريد أن يمشي قليلًا قبل أن يقبل فكرة المستشفى. كان يمشي ببطء، يده على ذراعي، واليد الأخرى تمسك قبعته القديمة. كان النهر ساكنًا، والهواء يحمل غبار بغداد وضجيجها، والناس حولنا يمضون في حياتهم كأن شيئًا لم يحدث.
مررنا قرب عائلات تجلس على الكورنيش، شباب يشربون الشاي، باعة متجولون، ورجال كبار يراقبون الماء بصمت.
توقف أبو سيف أمام مقهى شعبي صغير.
قال
يوم انقبلت بالجامعة، كنت أريد أجيبك هنا ونشرب شاي ونحتفل... بس يومها ما كان عندي كافي.
اختنق صوتي.
قلت
اليوم عندنا كافي.
دخلنا.
جلسنا قرب النافذة.
جاء الشاي في استكانات صغيرة، ومعه صحن كليجة. نظر أبو سيف إلى الاستكان وكأنه يرى رفاهية كبيرة.
قال
ما كان لازم تشتري لي بيت.
قلت
كان لازم.
لا.
يابه، أنت دفعت حياتي كلها من جسدك وتعبك. الآن جاء دورك تسكن في بيت لا يوجعك.
سكت قليلًا.
ثم سأل
وإذا مت بالعملية؟
شدت مريم على يدي.
أخذت نفسًا عميقًا وقلت
ټموت وأنت تعرف أن ابنك قرأ الحقيقة أخيرًا.
ابتسم بحزن.
طلعت درامي.
قلت
منك.
قال
أني مو درامي. أني عراقي.
ضحكنا.
وكانت تلك الضحكة مثل ضمادة صغيرة فوق چرح كبير.
كانت العملية يوم الاثنين.
أصر أبو سيف أن يذهب بقميص مكوي وحذاء ملمع، كأنه ذاهب لمقابلة عمل. في المستشفى، اعتذر