😭 باع دمه ليربيني... وبعد 20 سنة قلت له: "لن أعطيك دينارًا واحدًا!"


للممرضة لأنه نحيف، واعتذر للعامل لأنه تأخر في الصعود، واعتذر للطبيب لأنه تعبهم.
كنت أريد أن أصرخ في وجه العالم أن هذا الرجل لا يتعب أحدًا.
هذا الرجل حمل حياة كاملة على كتفيه.
قبل أن يدخل غرفة العمليات، أشار لي بيده.
اقتربت منه.
قال
إذا صار شي...
قلت بسرعة
ما راح يصير.
قال
خليني أحچي. إذا صار شي، لا تتكبر. الفلوس زينة للمستشفيات، لكنها قبيحة إذا خلتك تنظر باستعلاء إلى صاحب اليد المتعبة.
شعرت كأن كلماته أصابتني في قلبي.
قلت
أعرف.
قال
لا. أنت بدأت تتعلم فقط.
كان محقًا.
ثم قال
وشيء ثاني.
قلت
شنو؟
قال
لا تحچي أني بعت دمي بحزن. أني كنت أبيعه وأنا فرحان.
سألته بدهشة
فرحان؟
قال
لأن كل كيس ډم كان قطعة مني تروح لمكان أنا ما وصلت له. لكتبك. لحذائك. للجامعة. وللمكتب الكبير اللي تشتغل بيه، واللي يمكن ما أعرف حتى أصف سيارتي قدامه.
انحنيت وقبلت جبينه.
قلت
راح آخذك له.
سأل
للموقف؟
قلت
لا. لمكتبي. أقدمك للناس.
عقد حاجبيه وقال
وماذا أقول لهم؟
قلت
الحقيقة. أنك كنت أول مستثمر في حياتي.
دخل غرفة العمليات وهو يضحك.
وبقيت أنا خارجها ست ساعات.
ست ساعات لم ينفعني فيها راتبي، ولا سيارتي، ولا ساعتي، ولا بطاقاتي البنكية. لم يكن هناك شيء ينفع سوى الانتظار. الدعاء وأنا لا أعرف كيف أدعو. المشي ذهابًا وإيابًا. شرب قهوة رديئة من جهاز المستشفى. والنظر إلى الباب كأن الإرادة وحدها تستطيع فتحه.
وعندما خرج الطبيب، كدت أسقط.
قال
العملية نجحت.
لم أبكِ بهدوء.
بكيت كطفل.
احتضنتني مريم.
وفكرت بأمي.
برسالتها.
وبكل ما كلفه الصمت.
استيقظ أبو سيف في اليوم التالي.
وأول جملة قالها كانت
دفعت أجرة الموقف؟ ترى هذول يسرقون أكثر من البنوك.
ضحكت مريم.
وأمسكت يده.
قلت
صباح الخير يابه.
أغمض عينيه.
ليس من الألم.
بل لأنه سمع تلك الكلمة بكل معناها.
كانت فترة التعافي بطيئة.
كان عنيدًا كعادته، يريد أن ينهض قبل أوانه. كان يقول إن المړيض يتعود على المړض إذا تركوه طويلًا في الفراش. كانت الممرضات يحببنه لأنه يضحكهن، لكنهن يوبخنه لأنه يحاول ترتيب غطاء السرير بنفسه.
وعندما خرج من المستشفى، لم آخذه إلى غرفته القديمة.
أخذته إلى البيت الجديد.
كان البيت مطليًا بلون أبيض بسيط، بباب أزرق، وحوش صغير وضعت فيه مريم كرسيين وطاولة. في المطبخ كان هناك شاي، وخبز حار، وكيس تمر أرسله أحد الجيران ترحيبًا.
وقف أبو سيف عند الباب.
لم يدخل.
سألته
شنو بيك؟
نظر إلى الجدران.
عمري كله ما مسكت مفتاح بيت مو إيجار.
أخرجت المفتاح.
وضعته في يده.
الآن صار عندك.
أغلق أصابعه عليه ببطء.
قال
مسجل باسمي، قلت؟
قلت
نعم.
سأل
ليش؟
قلت
لأنك طول عمرك وضعت اسمي قبل اسمك. جاء الوقت يصير العكس.
دخل.
لمس الطاولة.
والفرن.
وإطار النافذة.
كأنه يستأذن كل شيء قبل أن يصدقه.
في الغرفة الرئيسية رأى سريرًا جديدًا، وصورة لأمي، وصورة لنا نحن الاثنين يوم ذهبت إلى الجامعة. أنا أحمل حقيبة كبيرة، وهو يبتسم بفخر كأنه ملك الدنيا.
جلس على السرير.
قال
هنا عظامي تقدر ترتاح بدون ما تعتذر.
هذه الجملة كسرتني.
بعد أيام أخذته إلى مقر الشركة.
مررنا بين شوارع بغداد المزدحمة، أبنية عالية، مكاتب زجاجية، سيارات كثيرة، وناس يمشون ببطاقات عمل وأكواب قهوة غالية. كان أبو سيف ينظر من النافذة كأننا دخلنا عالمًا آخر.
قال
هنا تشتغل؟
قلت
نعم.
قال
يبين بارد.
قلت
هو بارد فعلًا.
قال
لازم يفتحون
كشك شاي وقيمر تحت.
قلت
أحيانًا يبيعون سلطة بسعر يخوف.
نظر إلي پصدمة.
سلطة؟ يعني خس وطماطة؟ بفلوس كثيرة؟
ضحكت.
قدمته في الشركة.
صافحه زملائي باحترام. خرج المدير لمقابلته لأنني طلبت ذلك. كان أبو سيف يرتدي قميصًا أبيض وبنطالًا بنيًا وحذاءه القديم المرقع، رغم أنني كنت قد اشتريت له حذاءً جديدًا.
قال لي قبل أن نخرج
هذا الحذاء يعرف طريقي.
في قاعة الاجتماعات، أمام الشاشات والأرقام والناس الذين يتحدثون عن الاستثمار كأن المال يولد نظيفًا، قلت
هذا أبو سيف. أبي. درست لأن هذا الرجل باع دمه ليدفع لي الدورات، والمواصلات، والكتب، والطعام. لذلك إذا قال أحد يومًا إنني صنعت نفسي وحدي،