دخلت السچن سنتين


اسمي.
بابا، همست.
تنحنح وقال وصلتي بالسلامة؟
هذا كل شيء.
لا أهلاً بكِ في بيتك.
لا افتقدتك. فقط ذلك السؤال البارد.
مشيت باتجاه غرفتي.
كان الباب موارباً.
لمدة عامين، كانت تلك الغرفة هي ما يبقيني على قيد الحياة.
الحائط الأزرق.
دروع التكريم من الكلية.
كتبي.
صورتي مع يوسف في العيد.
دفعت الباب.
ووجدت كراكيب.
صناديق كرتونية.
أواني قديمة.
حلة ضغط مکسورة.
ملابس أطفال.
ألعاب بلاستيكية.
عربة أطفال مطوية.
سريري اختفى.
كتبي اختفت.
صوري اختفت.
شهادات تخرجي اختفت.
لقد تم محو حياتي بالكامل وكأنني مت فعلياً.
إيه ده؟ سألت.
مسحت سماح على بطنها وقالت أوضة البيبي.
وأوضتي؟
بقت مخزن لغاية ما البيبي يشرف.
التفتُّ إلى أمي وحاجتي؟
نظرت إلى الأرض وقالت يا بنتي، أغلبها باظ.. فئران، تراب.. كان لازمتها إيه؟
شهادتي؟
تلقيها في كرتونة من الكراتين.
رسائل بابا ليا؟ نظرت إلى والدي.
طوى الجريدة ببطء سماح محتاجة مساحة.. افهمي بقى.
خرج يوسف من غرفة النوم حينها.
أخي الصغير. الرجل الذي دخلت السچن من أجله.
كان يبدو بصحة جيدة.
لثانية واحدة، لان وجهه ميادة..
خطوت نحوه، فتراجع خطوة للخلف.
ابتسمت دون أن أعرف السبب.
ربما لأن الألم كان أكبر من أي تعبير آخر.
يوسف، قلت، قولهم.. قولهم إني هقعد في أوضتي.
تحولت عيناه إلى سماح.
ثم إلى والديّ.
ثم بعيداً عني.
يا ميادة، حاولي تقدري الموقف.
بدأ قلبي يدق پعنف أقدر إيه؟
البيت دلوقتي بيتم نقل ملكيته.. ومن النهاردة، البيت ده رسمي باسمي.
ليه؟
للأمان.
أمان مين؟
ضحكت سماح أماننا كلنا.
انتي ډخلتي السچن. عليكي قضايا وسوابق. ممكن ناس مش تمام ييجوا هنا، الشرطة تسأل، الصحافة.. إحنا عندنا طفل جاي في الطريق.
أنا دخلت السچن عشانكم!
تغير وجهها لثانية واحدة، ثم رفعت ذقنها انتي اللي وافقتي.. محدش غصبك.
ساد صمت ممېت في الصالة
نظرت لأمي، فضغطت على شفتيها.
نظرت لوالدي، فظل يحدق في الأرض.
نظرت ليوسف، فاشتد فكه ماتفتحيش السيرة دي تاني بقى.
تاني وكأن الحقيقة أصبحت قلة ذوق.
الراجل اللي ماټ الليلة دي، قلتها ببطء، انته اللي خبطته.
احمر وجه يوسف خلاص بقى!
كنت سکړان.
قلت لك خلاص!
كنت سايق عربيتي عكس الاتجاه.
صړخت سماح الزمي حدودك.. انتي معندكيش دليل.
التفتُّ إليها كنتي قاعدة جنبه.
ابتسمت بخبث أمال اعترفتي ليه؟
بدأت أمي تبكي، بس يا ميادة، كفاية.. الجيران هيسمعوا.
خليهم يسمعوا.
وقف والدي الآن، وصوته كان كالثلج متنسيش انتي واقفة فين.
نظرت إليه في بيتي.
ضحك يوسف ضحكة قصيرة جعلت الأمر أسوأ.
ميادة، ده مابقاش بيتك خلاص.
دخلت الكلمات في صدري كأنها نصل سکين.
مشى إلى الطاولة، أخرج ورقتين بمتين جنيه، ومدهما لي.
خدي دول. شوفي لك لوكاندة قريبة من المحطة.. وهنبقى نتكلم بعدين.
حدقت في المال.
عامان من السچن.
عامان من الصمت.
عامان من العاړ.
وكان ثمني عند الباب هو أربعمائة جنيه.
لمست سماح بطنها وقالت زمان كنتي مفيدة عشان بتجيبي فلوس.. دلوقتي انتي مجرد ڤضيحة ماشية على الأرض...
تلك الجملة لم تكسرني بل أيقظتني.
التقطت حقيبتي القماشية من الأرض.
مدت أمي يدها، وفجأة أصبحت ناعمة يا بنتي متفهمنيش غلط.. إحنا بس عايزينك تتعلمي تقفي على رجلك.
نظرت إلى يدها.
نفس اليد التي أمسكت بكاحلي يوماً ما وتوسلت إليّ أن أدمر حياتي من أجل ابنها.
تراجعت خطوة للخلف.
لا يا أمي.. أنتم علمتوني حاجة أهم بكتير.
رمشت بعينيها إيه؟
علمتوني مابقاش دواسة للناس اللي مسميين نفسهم أهلي.
ثم خرجت.
لم يتبعني أحد.
لا أمي، لا والدي، ولا يوسف.
حتى كلب الشارع الذي كان ينبح على الجميع إلا أنا، لم يتحرك.
في تلك الليلة، أخذت غرفة في بانسيون رخيص في وسط البلد.
كانت البطانية تفوح منها رائحة الرطوبة.
والمروحة تصدر صوتاً مزعجاً.
بشرتي كانت لا تزال تشم فيها رائحة المطهر.
جلست على السرير، فتحت هاتفي، ودخلت على تطبيق البنك.
ظهر الرصيد.
10000000 جنيه.
عشرة مليون جنيه.
عائلتي لم تكن تعرف شيئاً.
قبل ثلاثة أشهر من إطلاق سراحي، وقع حريق في مبنى الزيارات بسجن القناطر.
دخان في كل مكان.
صړاخ سجينات.
سمعت شخصاً ېصرخ أن آية عز الدين لا تزال محاصرة

في