دخلت السچن سنتين


مكتب الاستشارات.
آية عز الدين.
ابنة عز الدين المنشاوي، رجل الأعمال الملياردير الذي يظهر على أغلفة المجلات الاقتصادية.
لم أفكر.
ركضت.
كان مقبض الباب ېحرق راحة يدي.
بالداخل، كانت مغمى عليها، ډم على جبهتها، وطرحتها عالقة تحت خزانة معدنية سقطت.
سحبتها عبر دخان كثيف كان يشبه ابتلاع الفحم.
اڼهارت قواي في الفناء بجانبها.
عندما أفقت في مستشفى السچن، كان هناك رجل يرتدي بدلة فاخرة يجلس بجانب سريري.
عز الدين المنشاوي.
لم يتحدث مثل الأغنياء في الأفلام.
تحدث بهدوء.
مثل رجل كاد يفقد ابنته الوحيدة.
انتي أنقذتي بنتي، قالها.
نظرت بعيداً عملت اللي أي حد كان هيعمله.
لا، قال. أغلب الناس بيقولوا كدة.. قليلين أوي اللي بيعملوه.
بعد أسبوع، جاء مرة أخرى.
هذه المرة مع آية.
احتضنتني.
ليس بحذر.
ليس بشفقة.
احتضنتني كأنني إنسانة.
كنت قد نسيت كيف يبدو هذا الشعور.
قال عز الدين أنا مقدرش أرجعلك السنتين اللي ضاعوا.. بس أقدر أتأكد إن العالم بعد السچن مش هياكلك صاحية.
جاء المال عبر إجراءات قانونية.
منحة خاصة.
عرض عمل.
شقة.
حياة جديدة.
أراد مني أن أدير برنامجاً لمؤسسة خيرية لدعم السجينات المفرج عنهن.
الستات اللي زيك محتاجين أبواب تتفتح، 
في ذلك الوقت، كنت لا أزال أخطط لمشاركة كل شيء مع عائلتي.
كنت أخطط لدفع فواتير علاج والدي.
تجديد البيت.
شراء غسالة أوتوماتيك لأمي.
دفع تكاليف ولادة سماح في مستشفى خاص.
مساعدة يوسف ليبدأ مشروعه الخاص.
حتى أنني اشتريت خلخال فضة صغير لمولودهم المنتظر.
ضحكت في غرفتي باللوكاندة عندما تذكرت ذلك.
ليس لأن الأمر مضحك.
بل لأنني كنت ساذجة لدرجة تستحق التصفيق.
في صباح اليوم التالي، قابلت آية في كافيه بالزمالك.
وقفت بمجرد أن رأتني.
لا اشمئزاز.
لا خوف.
لا تعاطف مزيف.
احتضنتني بقوة رحتي البيت؟ سألتني.
أومأت برأسي.
تغير وجهها كان للدرجة دي؟
وأوسخ.
دفعت ملفاً نحوي بابا عايزك تمضي على ده النهاردة. شقة باسمك، مرتب، عربية، وسلطة كاملة على البرنامج.
فتحت الملف.
ضاعت الرؤية من عيني بسبب الدموع.
لمدة عامين، اختصرتني عائلتي في رقم مسجونة.
وهذه الغريبة كانت تعيد لي اسمي.
راقبتني آية بهدوء، ثم قالت ميادة، إحنا كمان بحثنا في قضيتك.
توقفت أصابعي إيه؟
الفريق القانوني لبابا راجع الملف.. في حاجة غلط. غلط كبير. تقرير الحاډثة، مواعيد الشهود، تلفيات العربية.. مفيش حاجة راكبة مع اعترافك.
نظرت من النافذة الزجاجية.
كان الناس يمرون بحقائب تسوق، قهوة مثلجة، نظارات شمسية.
حياة طبيعية.
الحياة التي كنت أشاهدها في صور الجرائد من خلف القضبان.
مالت آية للأمام قوليلي الحقيقة.. انتي اللي كنتي سايقة؟
انغلق حلقي.
لمدة عامين، حملت الحقيقة كجمرة ڼار في فمي.
لكن الآن، بعد المطهر الذي رُش على وجهي، بعد تحويل غرفتي لمخزن كراكيب، بعد أن قال أخي إن البيت له.. تحركت الجمرة.
لا، همست.
لم تبدُ آية متفاجئة، بل غاضبة معاكي دليل؟
أغمضت عيني.
نعم.
كان معي دليل.
رسائل من أمي تتوسل إليّ لأكذب.
رسائل صوتية ليوسف وهو يبكي ويقول إنه هو من كان يقود.
فيديو محذوف استعدته من هاتفي القديم.
وفلاشة USB كانت سماح قد خبأتها داخل فازة ليلة الحاډثة.
كانت تظن أن لا أحد يراها.
أنا رأيتها.
وقبل أن أسلم نفسي، أخذتها.
لم أكن أعرف لماذا وقتها.
ربما جزء مني كان يعرف أن الحب لا يجب أن يتطلب العمى.
في ذلك العصر، دخلت مديرية الأمن مع آية ومحاميها وملف أثقل من سنوات سجني.
استمع المحقق أحمد دون مقاطعة.
أعطيته كل شيء.
المحادثات.
التسجيلات.
الفلاشة.
التحويلات البنكية.
والرسائل التي كتب فيها والدي يا بنتي، انقذي يوسف المرة دي.. والعيلة دي هتفضل تسجد لك طول العمر.
تسجد لي.
وهم لم يعطوني حتى سريراً.
قام المحقق بتشغيل الرسالة الصوتية ليوسف.
ملأ صوت بكاء أخي الغرفة يا ميادة أنا اللي كنت سايق.. أرجوكي انقذيني، مش عايز أدخل السچن.
نظر إليّ المحقق ليه دلوقتي؟
أخذت نفساً عميقاً.
لأن أهلي طردوني.
لأن أخي ترك زوجته ترشني كالقاذورات.
لأن والداي باعا تضحيتي من أجل طوب وإسمنت.
ولأن عامل الدليفري الذي ماټ كان له