دخلت السچن سنتين


أم أيضاً.
لكنني قلت جملة واحدة فقط
عشان خلطت بين الحب والطاعة.. ودفعت تمن الغلطة دي من عمري كتير أوي.
في تلك الليلة، أرسلت لأمي رسالة
يا ماما، أنا عايزة أصفي النفوس. تعالوا بكرة اتعشوا معايا.. هاتي بابا ويوسف وسماح. أنا أجرت مكان صغير، ولازم نتكلم كأهل.
ردت في أقل من دقيقة
كنت عارفة إنك أصيلة وهتفهمي يا بنتي. الأهل مالهمش غير بعض. ابعتي العنوان.
حدقت في الشاشة.
ثم أرسلت عنوان شقتي الجديدة في المعادي.
ما لم تكن تعرفه هو أن طاولة العشاء ستكون بستة كراسي.
كرسي لأمي.
كرسي لوالدي.
كرسي ليوسف.
كرسي لسماح.
كرسي لي.
وكرسي للمحقق أحمد، الذي سيصل قبل الحلو ومعه كلبشات في جيبه
في المساء التالي، وقفت في مطبخ شقتي الجديدة بجهز الاكل كأنني ابنة تنتظر إطعام عائلتها.
لأول مرة منذ عامين، ارتديت فستان نظيفاً ، ليست ملابس السچن.
فستان أزرق غامق اللون الذي قالت عنه أمي يوماً إنه يليق ببشرتي.
كانت مائدة الطعام معدة لستة أشخاص..
صنعت كل شيء بيدي، ليس لأنهم يستحقون، بل لأنني أردت لهم أن يتذوقوا طعم ما ألقوا به في القمامة.
في الساعة السابعة واثنتي عشرة دقيقة، رن الجرس.
نظرت في الكاميرا؛ كانت أمي تمسك علبة حلويات، خلفها والدي يحاول التظاهر بالهدوء، ويوسف بقميص جديد، أما سماح فجاءت بفستان حمل فضفاض، تضع يداً على بطنها والأخرى تمسك سلسلتها الذهب كأن هوائي قد يسرق منها شيئاً.
خلفهم في الممر، كان هناك رجل بملابس مدنية يستند إلى الحائط يقرأ جريدة.. إنه المحقق أحمد.
فتحت الباب. اتسعت عينا أمي بمجرد رؤية الشقة أرضيات رخام، نوافذ طويلة، إضاءة صفراء دافئة، وأثاث لا تفوح منه رائحة التنازلات القديمة.
همست ميادة.. ده بيتك؟
قلت مؤقتاً.
دخلت سماح ببطء تتفحص المكان كأنها لص يدرس الأقفال، بينما صفر يوسف قائلاً يا ميادة، ده أنتي قلتي مكان صغير!
ابتسمت بيبقى صغير فعلاً بعد سجن القناطر.
لم يضحك أحد.. وهذا جيد.
نظر إليّ والدي لأول مرة بجدية، لكنها لم تكن نظرة حب، بل نظرة حسابات اشتغلتي؟
أيوه.
مع مين؟
مؤسسة خيرية.
لان وجه أمي فوراً، ليس فخراً بل راحة شايفين؟ مش قلتلكم ربنا بيقف مع الصابرين؟
نظرت إليها لا يا أمي، ساعات الغرباء هما اللي بيقفوا.. وربنا بيراقب.
اختفت ابتسامتها.
توجهت سماح للأريكة لكنها تسمرت حين رأت خلخال فضة صغيراً على الطاولة، الذي اشتريته لمولودها.
سألت بعينين تلمعان ده لِينا؟
قلت أيوه.
لمست بطنها بوقاحة على الأقل في حد افتكر.
لم أقل شيئاً، وأشرت للمائدة تفضلوا.. الأكل جاهز.
جلسوا. أمي بجانبي، يوسف في المقابل، وسماح جلست بحذر وهي تتنهد لتلفت الانتباه. بقي والدي واقفاً لثانية ينظر للكرسي السادس الفارغ مين تاني جاي؟
قلت صديق.
أكلوا بشراهة، أمي تمدح العدس، وسماح تشتكي من التوابل، ويوسف يأكل كأنه لم يطعم منذ أيام، بينما والدي بالكاد لمس طبقه، يراقب الغرفة يبحث عن ثمن كل شيء فيها.
بعد عشر دقائق، تنحنحت أمي يا بنتي، كنا عايزين نتكلم.
وضعت المزيد من الأرز في طبقها اتكلمي.
نظرت لوالدي فأومأ برأسه، فقالت بخصوص البيت.. إحنا حسينا بالذنب بسبب اللي حصل امبارح، كل حاجة جت فجأة وسماح حامل والأعصاب مشدودة، وانتي برضه جاية من.. من المكان ده.
قلت بجمود السچن.
اهتزت ابتسامتها أيوه.. بس إحنا عيلة، مش لازم نتخانق.
قال يوسف وهو يميل للأمام يا ميادة، نقل البيت ده مجرد ورق، انتي عارفة إني هشيل بابا وماما في عيوني.
نظرت إليه زي ما شلت عامل الدليفري في عيونك كدة؟
توقف يوسف عن الأكل. تشنج وجه سماح. ووضع والدي كوبه.
همست أمي ميادة..
سندت ظهري للخلف لا يا أمي، خليه يجاوب.
مسح يوسف فمه ليه بتفتحي السيرة دي النهاردة؟
عشان من سنتين، أنتم اللي

جبتوا السيرة