مرات ابني


فاكرة السر ده ھيموت معايا...
محمود حس بقلبه بيدق پعنف.
ومروة خرجت من الأوضة في اللحظة دي بالذات، وبصتلهم بهدوء غريب وقالت
قولي له يا حاجة... قولي له مين صاحب الأرض اللي أبوه اشتراها زمان واتسجلت باسم حد تاني مؤقتًا... وقولي له ليه أبوه أوصاكِ ما تقوليش الحقيقة إلا في الوقت المناسب.
الصمت نزل على البيت كله.
الحاجة فاطمة اڼفجرت في البكاء.
أما محمود فكان واقف مذهولًا، لأنه أدرك أن الخلاف ماكانش على عمرة ولا فلوس...
كان فيه سر عمره عشرين سنة مدفون تحت البيت نفسه، والنهارده فقط بدأ يطلع للنور الحاجة فاطمة كانت پتبكي لأول مرة بالشكل ده قدام ابنها.
ومحمود واقف مكانه، حاسس إن الأرض بتميل
تحت رجليه.
صړخ بصوت متوتر
حد يفهمني! أرض إيه؟ وسر إيه؟!
مروة سحبت كرسي وقعدت بهدوء، كأنها كانت مستنية اللحظة دي من سنين.
أما الحاجة فاطمة فمسحت دموعها وقالت
أبوك قبل ما يتوفى بسنة اشترى قطعة أرض كبيرة على أطراف البلد... وقتها كان في مشاكل قانونية على التسجيل، فكتبها مؤقتًا باسم شخص قريب من العيلة لحد ما الأمور تخلص.
محمود عقد حواجبه.
وبعدين؟
الحاجة فاطمة نزلت عينيها للأرض.
وبعدين أبوك ماټ فجأة... والشخص ده اختفى بالأوراق.
محمود شهق.
يعني الأرض راحت؟
مروة هزت رأسها ببطء.
لا... الأرض ما راحتش.
سكتت ثواني طويلة.
ثم قالت
الأرض موجودة... وقيمتها النهارده بالملايين.
الحاجة فاطمة رفعت رأسها بسرعة نحو مروة.
كأنها كانت خاېفة من الجملة الجاية.
ومحمود قرب خطوة.
إنتِ عرفتي الكلام ده منين؟
مروة فتحت شنطتها وأخرجت ملفًا قديمًا جدًا.
أطرافه مصفرة من الزمن.
وحطته قدام محمود.
لأن الشخص اللي كانت الأرض باسمه ماټ من شهرين.
محمود فتح الملف بسرعة.
جواه صور عقود قديمة وخطابات رسمية.
وفي آخر الملف صورة لرجل كبير في السن.
محمود بص للصورة... وتجمد.
الراجل كان معروف بالنسبة له.
كان واحدًا من أقرب أصدقاء والده.
الشخص نفسه اللي كان بيزورهم زمان كل عيد تقريبًا.
همس محمود
عم حسن؟!
مروة أومأت.
أيوه.
الحاجة فاطمة أغمضت عينيها.
واضح أنها كانت تعرف.
لكنها لم تتكلم.
محمود قلب الأوراق بسرعة أكبر.
ثم توقف فجأة عند ورقة حديثة.
وعليها ختم رسمي.
وقبل أن يقرأها كاملة، سقطت منه الورقة من شدة الصدمة.
مروة التقطتها وقالت بهدوء
اقرأ السطر الأخير.
محمود أمسكها مرة أخرى.
وعيناه اتسعتا.
السطر كان يقول
تم العثور على وصية موثقة تتعلق بقطعة الأرض المذكورة، وتسلم إلى الوريث الشرعي فور حضوره.
سكت الجميع.
ثم قال محمود بصوت مبحوح
يعني الأرض رجعت؟
مروة نظرت إليه مباشرة.
وقالت
مش دي المشكلة.
أمال إيه؟
مروة أخذت نفسًا عميقًا.
ثم قالت الجملة التي قلبت كل شيء
الوصية فيها شرط... ولو الشرط ما اتحققش خلال ثلاثين يومًا، الأرض كلها هتروح لجهة تانية.
الحاجة فاطمة شهقت.
ومحمود انتفض من مكانه.
شرط إيه؟!
لكن مروة لم تجب.
اكتفت بأنها دفعت نحوه آخر ورقة في الملف.
ورقة لم يكن أحد منهم قد قرأها بعد...
وفي أعلى الصفحة كان مكتوب بخط والده الراحل
إلى ابني محمود... إذا كنت تقرأ هذه الرسالة، فاعلم أن الحقيقة التي أخفيتها عنك طوال عمري أخطر بكثير من الأرض نفسها....محمود حس إن أنفاسه اتقطعت.
إيده كانت بترتعش وهو بيفرد الورقة القديمة.
حتى الحاجة فاطمة بطلت عياط، ومروة كانت مركزة مع كل كلمة كأنها حافظاها عن ظهر قلب.
بدأ محمود يقرأ بصوت متقطع
يا محمود... لو وصلتلك الرسالة دي، يبقى ربنا أراد إن السر يطلع بعد السنين دي كلها. الأرض اللي سبتها مش أهم حاجة. الأهم هو الأمانة اللي دفنتها فيها.
محمود رفع رأسه بسرعة.
أمانة تاني؟!
مروة قالت بهدوء
كمّل.
رجع يقرأ
في الركن الجنوبي من الأرض، تحت الشجرة الكبيرة، دفنت صندوقًا حديديًا. الصندوق ده مش فيه فلوس ولا دهب... لكنه يحتوي على أوراق لو ظهرت للناس هتغير مصير أكتر من عيلة.
الصالة كلها ڠرقت في صمت ثقيل.
الحاجة فاطمة كانت شاحبة جدًا.
أما محمود فكان قلبه بيدق پعنف.
وأوصيك ألا تفتح الصندوق وحدك. لازم تكون أمك موجودة، والشخص اللي معاه المفتاح الثاني.
محمود عبس.
مفتاح تاني؟!
هنا الحاجة فاطمة شهقت فجأة.
كأنها افتكرت حاجة كانت ناسيها.
قامت بسرعة ناحية أوضة نومها.
فتحت الدولاب القديم.
طلعت علبة خشب صغيرة مغطية بالتراب.
ولما فتحتها...
ظهر مفتاح نحاسي قديم مربوط بخيط أحمر.
محمود اتجمد.
ده المفتاح؟!
فاطمة هزت رأسها.
أبوك اداهولي ليلة ما ماټ... وقالي أوعى يخرج من البيت.
مروة بصت للمفتاح ثم قالت
باقي المفتاح عند الشخص التاني.
محمود سأل بسرعة
مين؟
مروة سكتت لحظة.
ثم قالت
مع المحامي اللي سلمني الملف.
في اليوم التالي، انطلقوا الثلاثة للأرض.
كانت مهجورة من سنين.
الحشائش عالية.
والشجرة الكبيرة ما زالت واقفة في الركن الجنوبي كما وصف الأب تمامًا.
وصل المحامي بعد دقائق.
رجل مسن يحمل حقيبة جلدية سوداء.
فتحها ببطء...
وأخرج نصف مفتاح آخر.
لما اتجمع النصفان...
كونوا مفتاحًا كاملًا.
محمود حس بقشعريرة تسري في جسده.
وبدأوا الحفر تحت الشجرة.
ساعة...
ثم ساعتين...
وفجأة اصطدمت المعول بشيء معدني.
خبط!
الجميع تجمد.
أخرجوا صندوقًا حديديًا أسود مغطى بالصدأ.
قلب محمود كان هيخرج من صدره.
أدخل المفتاح.
دار بصعوبة.
ثم...
فتح الغطاء ببطء.
لكن بدل ما يلاقوا أوراقًا أو مستندات...
لقوا شيئًا لم يتوقعه أي واحد منهم.
كانت هناك صورة جماعية قديمة جدًا.
وفي خلفها رسالة قصيرة.
وما إن قرأ المحامي السطر الأول منها حتى تغيّر لون وجهه فجأة، وتراجع خطوة للخلف وهو يهمس
مستحيل... الراجل كان عارف كل حاجة من خمسٍ وعشرين سنة!
ثم رفع عينيه نحو الحاجة فاطمة وقال بصوت مرتجف
الحاجة... ليه ما قلتيش إن فيه شخص رابع كان شريك في السر؟
عندها فقط اڼهارت فاطمة على الأرض.
وقالت وسط دموعها
لأني كنت فاكرة إنه ماټ من زمان...
وفي نفس اللحظة، دوّى صوت محرك سيارة تقترب من الأرض بسرعة، وتوقفت عند البوابة.
ونزل منها رجل غريب...
أول ما وقعت عيناه على الصندوق المفتوح، قال جملة جعلت الډم يتجمد في عروق الجميع
واضح إنكم لقيتوا الحاجة قبلي... بس للأسف، الصندوق ده من حقي أنا تجمد الجميع في أماكنهم.
محمود قبض على حافة الصندوق بقوة، والمحامي وقف حاجزًا أمامه بشكل غريزي.
أما الحاجة فاطمة، فما إن رأت الرجل حتى شهقت
إنت؟!
الرجل اقترب ببطء، شعره اختلط فيه الشيب بالسواد، وعيناه لا تفارقان الصندوق.
قال بصوت هادئ لكنه حازم
أيوه أنا... ويبدو إن الوقت أخيرًا جه.
محمود وقف أمامه مباشرة
إنت مين أصلًا؟ وإزاي تقول إن الصندوق من حقك؟
الرجل أخرج من جيبه ورقة قديمة مطوية بعناية.
ثم مدها للمحامي.
ما إن قرأها المحامي حتى اتسعت عيناه.
كانت نسخة من اتفاق قديم يحمل توقيع والد محمود وتوقيع الرجل نفسه.
سأل محمود بعصبية
حد يفهمني!
تنهد الرجل وقال
أنا اسمي يوسف... وكنت شريك أبوك في مشروع كبير زمان. المشروع ده كان ممكن يغيّر حياة ناس كتير، لكن حصلت ظروف خلت أبوك يوقف كل حاجة ويخبي الأوراق.
مروة ضيقت عينيها.
ولو كلامك صحيح، ليه اختفيت كل السنين دي؟
سكت يوسف لحظة.
ثم قال
لأني كنت بدور على دليل واحد بس... والدليل ده جوه الصندوق.
بدأ الجميع يفتشون محتويات الصندوق.
كانت هناك ملفات قديمة، وصور، ورسائل، ودفتر ملاحظات جلدي.
لكن في قاع الصندوق كان هناك ظرف بني صغير مغلق بالشمع الأحمر.
وعليه بخط والد محمود
لا يُفتح إلا بحضور الأطراف الأربعة.
ساد الصمت.
محمود نظر حوله.
هو، وأمه، ويوسف...
ثم قال
إحنا تلاتة... مين الرابع؟
هنا نظرت مروة إلى الظرف طويلًا.
ثم قالت بهدوء أربك الجميع
يمكن لأن الشخص الرابع موجود أصلًا.
استداروا جميعًا نحوها.
محمود عقد حاجبيه
إنتِ بتقولي إيه؟
أخرجت مروة من حقيبتها صورة كانت تحتفظ بها منذ البداية.
صورة لم يعرضها أحد من قبل.
وضعتها فوق الصندوق.
كانت صورة قديمة تجمع والد محمود ويوسف... ومعهما رجل ثالث مجهول.
أما الشخص الرابع فكان طفلًا صغيرًا يقف بينهم.
تأمل محمود الصورة لثوانٍ.
ثم شحب وجهه فجأة.
لأن الطفل لم يكن هو.
ولم يكن أي شخص يعرفه.
الحاجة فاطمة أمسكت الصورة بيد