مرات ابني


الداخل كانت عدة كتب متفحمة جزئيًا.
وفي المنتصف...
مصحف قديم ملفوف بقماش أخضر.
محمود أمسكه بحذر شديد.
فتح الغلاف.
وفجأة سقط منه شيء معدني صغير على الأرض.
رنّ بصوت واضح.
مفتاح فضي.
تبادل الجميع النظرات.
يوسف التقطه وقال
إذن أبوك كان صادقًا.
لكن قبل أن يكمل كلامه...
سمعوا صوتًا من خلفهم.
صوت تصفيق بطيء.
مرة...
مرتين...
ثلاث مرات.
استداروا جميعًا.
وكان هناك رجل يقف عند باب الغرفة.
وجهه مخفي في الظل.
لكنه كان يبتسم.
ابتسامة لم تعجب أحدًا.
قال بهدوء
تعبتوا جدًا علشان توصلوا للمفتاح.
قبض محمود على المفتاح بسرعة.
مين إنت؟!
الرجل خرج خطوة إلى النور.
وفجأة شهقت الحاجة فاطمة.
وتراجعت للخلف.
مستحيل...
حتى يوسف تغير لون وجهه.
أما الرجل الغريب الذي كان الطفل في الصورة فبدا وكأنه رأى شبحًا.
قال بصوت مخڼوق
إنت... لسه عايش؟
ابتسم الرجل.
واضح إنكم ما كنتوش متوقعين تشوفوني.
محمود نظر بين الوجوه المړتعبة.
حد يفهمني!
لكن الرجل رفع يده وقال
قبل أي شرح... سلمني المفتاح.
محمود شد قبضته أكثر.
مستحيل.
اختفت الابتسامة من وجه الرجل.
وقال ببرود
المفتاح يفتح الخزانة الأخيرة... والخزانة الأخيرة فيها الحقيقة اللي أبوك ډفنها.
ثم أضاف وهو ينظر مباشرة إلى الحاجة فاطمة
وفيها السبب الحقيقي للحريق اللي حصل من خمس سنين.
تجمدت فاطمة.
محمود الټفت إليها بسرعة.
إيه معنى الكلام ده؟
لكنها لم تجب.
بل أجهشت بالبكاء.
وفي تلك اللحظة أدرك محمود أن أمه تعرف هذا الرجل جيدًا...
وربما تعرف أكثر مما كانت تقوله طوال الوقت.
أما الرجل فاقترب خطوة أخرى وقال
أمامكم اختيار واحد... إما تفتحوا الخزانة بالمفتاح، أو أقول لمحمود الحقيقة الآن.
وساد الصمت...
لأن الجميع فهم أن الحقيقة التي يخشاها الرجل والحاجة فاطمة معًا، أخطر من كل الأسرار التي اكتشفوها حتى هذه اللحظة محمود كان واقف بين المفتاح الفضي في إيده، ونظرات الرجل اللي بتضغط عليه زي سکينة.
الحاجة فاطمة مكنتش قادرة ترفع عينها من الأرض.
يوسف همس بصوت منخفض
افتح يا محمود... وإلا هيفتح هو بطريقته.
الرجل ابتسم ابتسامة قصيرة وقال
أنا مستني لحظة واحدة من عشرين سنة.
محمود شد نفسه، وبص لأمه
يا أمي... الحقيقة إيه؟
لكنها فضلت ساكتة.
الصمت ده كان الإجابة اللي قلبت كل حاجة.
مروة قربت خطوة وقالت بهدوء
افتح الخزانة... خلينا نشوف الحقيقة كاملة.
محمود مد إيده للمفتاح، واتجه ناحية الخزانة الحديدية المطمورة تحت الركام.
ركبه في القفل.
لحظة...
ثانيتين...
ثم صوت طقة خفيفة.
الباب اتفتح.
لكن بدل ما يلاقوا أوراق أو أسرار مالية...
كان في صندوق خشبي صغير جدًا.
وفوقه ورقة واحدة.
محمود فتح الورقة بسرعة.
وقرأ بصوت عالي
لو وصلتوا هنا، يبقى أنا خلاص مش موجود... واللي واقف معاكم دلوقتي هو السبب الحقيقي في كل اللي حصل.
رفع محمود عينه بسرعة نحو الرجل.
لكن الرجل كان واقف هادي جدًا.
مش متفاجئ.
كأنه كان عارف الكلام ده.
يوسف فجأة صړخ
اتخدعنا!
لكن قبل ما حد يتحرك...
الرجل ابتسم وقال
مش أنا اللي كتبت الرسالة... أبوك هو اللي كتبها علشان يحمي نفسه مني... ومن الحقيقة.
محمود ارتبك
حقيقة إيه؟!
الرجل رفع إيده وأشار للصندوق
افتحه.
محمود فتح الصندوق بسرعة.
وفجأة سقطت منه مجموعة أوراق...
لكن أهم ورقة كانت في المنتصف.
ورقة عليها ختم رسمي قديم.
وقبل ما يقراها...
الحاجة فاطمة صړخت لأول مرة بصوت مكسور
ما تقراش!
لكن كان فات الأوان.
محمود قرأ.
وسكت.
وشه اتجمد تمامًا.
الورقة كانت بتقول
ۏفاة الحاج عبد الرحمن لم تكن حادثًا... بل كانت نتيجة محاولة كشف فساد داخل المشروع، والمتورط الحقيقي هو أقرب شخص للعائلة.
رفع محمود عينه ببطء.
ونظر لكل الموجودين.
ثم قال بصوت مبحوح
أقرب شخص للعيلة...
سكت لحظة.
ثم الټفت ببطء شديد نحو أمه.
الحاجة فاطمة كانت پتبكي بصمت.
لكن الحقيقة كانت واضحة في عينيها.
الرجل ابتسم أخيرًا وقال
أخيرًا... وصلت.
في اللحظة دي، محمود فهم كل شيء.
مش الأرض.
مش الأمانة.
لكن الخېانة اللي اتدفنت سنين جوه البيت نفسه.
مروة شدته للخلف وهي بتهمس
إحنا لسه قدام قرار... نسكت ونقفل كل ده، ولا الحقيقة تخرج للنور مهما كان التمن.
محمود بص للبيت المحروق، وبعدين لأمه، وبعدين للمفتاح اللي في إيده.
وأخيرًا قال
الحقيقة... لازم تظهر.
لكن قبل ما يكملوا أي خطوة...
صوت صفارة عربية الشرطة اتسمع من بعيد وهي بتقرب بسرعة للأرض.
والرجل ابتسم للمرة الأخيرة وقال
كويس... كده النهاية هتبقى قديمة زي البداية.
وسابهم واقفين بين الحقيقة... واللي لسه جاي أخطر منها.