مرات ابني


ملف وكل ظرف.
لكن الوثيقة لم تكن موجودة.
وفجأة...
تذكرت مروة شيئًا.
أخرجت هاتفها.
وفتحت صورة كانت قد التقطتها قبل أيام لورقة قديمة وجدتها داخل الملف الأزرق الأول.
كبرت الصورة.
ثم تجمدت.
يا نهار أبيض...
محمود اقترب منها.
في إيه؟
ناولته الهاتف.
في أسفل الصورة كان مكتوب بخط صغير جدًا
الوثيقة الأصلية محفوظة في المكان الذي بدأت منه الحكاية.
محمود همس
المكان اللي بدأت منه الحكاية؟
أما الحاجة فاطمة، فشحب وجهها فجأة.
وقالت بصوت مرتعش
لا...
نظر إليها الجميع.
إيه يا أمي؟
أغلقت عينيها للحظة.
ثم قالت
المكان ده... بيت جدك القديم.
محمود اتسعت عيناه.
بيت جده كان مهجورًا منذ أكثر من خمسة وعشرين سنة.
لا أحد يدخله.
ولا أحد يعرف ما بداخله.
والأغرب من ذلك...
أن فاطمة كانت ترفض الاقتراب منه طوال هذه السنوات دون أن تشرح السبب.
نظر يوسف إلى البيت البعيد الذي يظهر سقفه بين الأشجار.
ثم قال بهدوء
واضح إن رحلتنا لسه ما خلصتش.
لكن قبل أن يتحرك أحد، سمعوا صوتًا قادمًا من داخل السيارة المتوقفة عند البوابة.
صوت هاتف يرن.
الرجل الغريب نظر إلى الشاشة.
ثم تجمد مكانه.
قال محمود بقلق
مين بيتصل؟
رفع الرجل الهاتف ببطء.
وكان الاسم الظاهر على الشاشة كفيلًا بأن يجعل الډم يتجمد في عروقه...
رقم والد محمود.
مع أن والد محمود متوفى منذ أكثر من عشرين سنة تجمدت الأنفاس.
محمود خطڤ الهاتف من يد الرجل وهو يحدق في الشاشة غير مصدق.
الاسم واضح أمامه
الحاج عبد الرحمن
اسم والده.
نفس الاسم الذي كان محفوظًا قديمًا في دفاتر العائلة.
الحاجة فاطمة شهقت ووضعت يدها على فمها.
أما يوسف فاقترب بسرعة وقال
رد!
ضغط محمود زر الإجابة ورفع الهاتف إلى أذنه.
لكن بدلًا من صوت إنسان...
سمع تسجيلًا قديمًا.
صوت مشوش، ثم ظهر صوت والده بوضوح.
صوت لم يسمعه منذ أكثر من عشرين سنة.
لو سمعت التسجيل ده، يبقى أنتم قربتم جدًا من الحقيقة.
ارتعش محمود كله.
والحاجة فاطمة بدأت تبكي بصمت.
أكمل التسجيل
اللي بيسمعني دلوقتي لازم يروح بيت أبويا القديم قبل غروب الشمس. لو اتأخرتوا، جزء مهم من الحقيقة هيضيع للأبد.
ثم انقطع التسجيل فجأة.
نظر الجميع لبعضهم.
وقال الرجل الغريب
التسجيل ده كان مبرمج يشتغل لما أفتح تطبيق معين في التليفون. لقيته من سنين ومفهمتش معناه غير النهارده.
محمود لم ينتظر ثانية.
استقلوا السيارات واتجهوا نحو بيت الجد القديم.
كان البيت يقف وحيدًا على
طرف الأرض الزراعية.
جدرانه متشققة.
ونوافذه مغلقة بالخشب منذ عقود.
عندما وصلوا، أخرجت الحاجة فاطمة مفتاحًا صدئًا من حقيبتها.
نظر إليها محمود بدهشة.
لسه محتفظة بالمفتاح؟
همست
أبوك وصاني ما أرميهوش أبدًا.
فتحوا الباب.
صدر صرير طويل كأن البيت يستيقظ من نوم عميق.
دخلوا بحذر.
الأثاث مغطى بالتراب.
والساعات متوقفة.
وكأن الزمن توقف هنا فعلًا.
بدأوا يبحثون في الغرف.
لكن دون جدوى.
حتى وصلوا إلى غرفة صغيرة في آخر الممر.
غرفة كانت مغلقة بقفل إضافي.
نظر يوسف إلى القفل.
ثم قال
دي ما كانتش موجودة زمان.
فتحوه بصعوبة.
ودخلوا.
كانت الغرفة شبه فارغة.
إلا من مكتب خشبي قديم.
وفوقه صندوق صغير.
اقترب محمود وفتحه.
فوجد بداخله الوثيقة المفقودة فعلًا.
لكن لم تكن وحدها.
كان معها خطاب آخر.
مغلق باسم
إلى محمود فقط.
أمسك محمود الخطاب.
شعر أن قلبه سيخرج من صدره.
فتح الظرف ببطء.
وبدأ يقرأ.
ومع أول سطر تغير وجهه بالكامل.
مستحيل...
قالها وهو يتراجع خطوة للخلف.
مروة أمسكت ذراعه.
في إيه؟
رفع محمود الورقة بيد مرتجفة.
وقال
أبويا كتب إن المؤسسة والأرض وكل الأمانة مش أهم حاجة...
سكت لحظة.
ثم أكمل بصوت مخټنق
الأهم إنه كان متأكد إن حد هيحاول يسرقها بعد مۏته.
ساد الصمت.
ثم قلب الصفحة.
وعند آخر سطر شهق فجأة.
يوسف اقترب منه.
مكتوب إيه؟
رفع محمود عينيه ببطء نحو الموجودين.
ثم ثبت نظره على شخص واحد فقط داخل الغرفة.
شخص لم يكن أحد يشك فيه إطلاقًا.
وقال
أبويا كتب الاسم... وكتب إن الشخص ده كان قريب مننا طول الوقت.
وتحولت كل الوجوه نحو ذلك الشخص في لحظة واحدة...
بينما شحب وجهه فجأة، وكأنه أدرك أن سره انكشف أخيرًا.
نهاية مفتوحة تحولت الأنظار كلها نحو الشخص الذي شحب وجهه.
ثوانٍ طويلة مرت دون أن ينطق أحد بكلمة.
محمود كان ممسكًا بالرسالة بقوة حتى كادت تتمزق بين أصابعه.
مروة قالت بقلق
مين؟
لكن محمود لم يجب فورًا.
كان يقرأ السطور الأخيرة مرة أخرى وكأنه لا يصدق ما يراه.
ثم رفع رأسه ببطء.
وقال
أبويا ما كتبش اسم شخص...
الجميع نظر إليه بدهشة.
حتى يوسف تجمد مكانه.
أكمل محمود
كتب اسمين.
ساد صمت ثقيل.
الحاجة فاطمة همست
اسمين؟!
هز رأسه.
ثم قرأ من الرسالة
الخطړ الحقيقي لم يكن يومًا شخصًا واحدًا. إذا وصلت لهذه الرسالة، فاعلم أن الأمانة كانت مھددة من اثنين عملا معًا دون أن يعرف أحد.
يوسف قبض على حافة المكتب.
أما الرجل الغريب فبدت عليه الصدمة.
محمود أكمل القراءة
لكنني تركت الدليل في المكان الذي لا ينظر إليه أحد.
مروة عقدت حاجبيها.
يعني إيه؟
فجأة انتبهت الحاجة فاطمة إلى شيء غريب.
كانت هناك ساعة حائط قديمة معلقة فوق المكتب.
متوقفة عند الساعة الرابعة وعشر دقائق.
منذ عشرات السنين.
لكن تحتها كان هناك نقش صغير لم يلحظه أحد من قبل.
اقترب يوسف.
أزاح الساعة عن الحائط.
فانكشف تجويف صغير داخل الجدار.
شهق الجميع.
داخل التجويف كانت توجد علبة معدنية مسطحة.
فتحها محمود بسرعة.
وفي داخلها...
شريط كاسيت قديم.
ومع الشريط ورقة صغيرة.
مكتوب عليها
آخر شهادة.
محمود شعر بقشعريرة تسري في جسده.
وفي زاوية الغرفة كان يوجد جهاز تسجيل قديم مغطى بالتراب.
يوسف وصله بالكهرباء بعد محاولات عديدة.
ثم أدخل الشريط.
دار الشريط ببطء...
وانطلق صوت والد محمود.
واضحًا أكثر من أي وقت مضى.
إذا كنتم تسمعونني الآن، فأنتم وجدتم الدليل الأخير.
الجميع اقترب.
طوال سنوات كنت أخشى أن تظهر الحقيقة بعد رحيلي. لذلك سجلت هذه الرسالة.
ثم ساد صمت قصير في التسجيل.
قبل أن يقول
الشخصان اللذان حاولا الاستيلاء على المشروع لم ينجحا. لكن أحدهما تاب واعترف لي بكل شيء قبل ۏفاته.
تنفس الجميع براحة مؤقتة.
لكن الراحة لم تستمر.
لأن الصوت أكمل
أما الآخر... فما زال حيًا.
وفجأة انقطع التسجيل لثوانٍ.
ثم عاد بصوت مشوش.
وإذا كان ما زال حيًا، فهو بالتأكيد يحاول الوصول للأوراق الآن...
تبادل الجميع النظرات.
فالأوراق كلها أمامهم بالفعل.
لكن المفاجأة كانت في الجملة التالية.
ولذلك أخفيت الوثيقة الحقيقية في مكان مختلف تمامًا. أما الوثيقة التي وجدتموها فهي مجرد نسخة.
شهق محمود.
نسخة؟!
مروة نظرت إلى الملف.
يعني الأصل لسه مفقود؟
ثم جاء آخر جزء من التسجيل.
صوت والد محمود كان أضعف قليلًا
وللوصول إلى الوثيقة الأصلية... ابحثوا عن المفتاح الفضي الموجود داخل المصحف القديم.
ثم توقف الشريط تمامًا.
انتهى التسجيل.
ساد الصمت.
لكن الحاجة فاطمة فجأة وضعت يدها على رأسها.
وعيناها اتسعتا.
المصحف!
الټفت إليها الجميع.
قالت بصوت مرتعش
مصحف جد محمود... أنا شوفته من أسبوعين بس.
محمود اقترب بسرعة.
فين؟
ابتلعت ريقها وقالت
في... في البيت.
أي بيت؟
نظرت إلى الجميع.
ثم قالت الجملة التي أعادت الړعب إلى القلوب من جديد
في البيت اللي اتحرق من خمس سنين... والكل فاكر إن مفيش حاجة نجت منه. 
وهكذا بدأت رحلة جديدة للبحث عن المصحف والمفتاح الفضي، بينما ظل السؤال الأكبر بلا إجابة
من هو الشخص الحي الذي كان يحاول الوصول للأمانة طوال هذه السنين؟انطلقت السيارات عائدة بأقصى سرعة.
كلمات الحاجة فاطمة كانت تدوي في رؤوسهم
المصحف نجا من الحريق.
محمود لم يكن يفكر إلا في شيء واحد...
إذا كانت الوثيقة الأصلية ما زالت موجودة، فربما الحقيقة كلها لم تظهر بعد.
وصلوا إلى البيت المحترق قبل المغرب بقليل.
كان المبنى مهجورًا، أسود الجدران، والنوافذ خالية كأنها عيون تراقبهم من بعيد.
تقدم يوسف وهو يحمل كشافًا.
أما الحاجة فاطمة فتوقفت أمام الباب المتهالك وقالت
آخر مرة دخلت هنا كانت يوم الحريق.
فتحوا الباب.
التراب يملأ المكان.
والصمت ثقيل بصورة مخيفة.
بدأوا البحث غرفة وراء غرفة.
حتى وصلوا إلى غرفة صغيرة كانت مكتبة الجد القديمة.
الحريق أكل معظم الأرفف.
لكن في زاوية بعيدة كانت هناك خزانة حديدية سقط جزء من سقف الغرفة فوقها.
صړخت الحاجة فاطمة
هناك!
بدأوا يزيحون الأنقاض.
وبعد دقائق شاقة فتحوا الخزانة.
في