رواية انا والطبيب كاملة بقلم سارة نيل


لهم عكس ما ظنوا..
مكان غدر هو به ولم يعلم أن لا أحد في هذا العالم يحبه أكثر ممن في هذا المكان...
زين له الشيطان وزينت له نفسه الأمارة بالسوء الغواية وظن أنه لن يكون بحاجة إليهم يوما ما تناسى البر والإحسان .. وتلك المبادئ والقيم التي جاهد رضوان جهادا شديدا لوضعها بداخله لكن بالمقابل كان هو يلفظها من داخله بإيباء شديد..
رحل عنهم خالي الوفاض وهو لا شيء وحلم بتلك اللحظة التي يعود بها أمامهم شامخ الرأس لكن الآن سيقف أمامهم بنسخة أسوء من ذي قبل..
فهل يا ترى سيقبله الشيخ رضوان في منزله هل سيستقبل هذا الآثم في منزله الطاهر ويلوثه كما كان يخبره قديما.
وأخيرا أتت اللحظة المرتقبة عاد طاهر ووقف أمام المنزل .. عاد للوطن مرة أخرى..
وقف ينظر للمنزل الذي لم تغيره الأزمان باق على حالته من السكون والطمأنينه التي تصيب قلبه حين الوقوف أمامه..
هل هذا ذات المنزل الذي كلما رأيته قديما اغتم قلبي لتلك القيود التي كان يستنها رضوان كما كان ينعتها هو..!
نعم الصلاة الذي كان يأمره والده بها ويحثه عليها كان يسميها قيود..
حفظ القرآن الذي كان يدفعه والده عليه كان له قيد..
حتى تلك الصدقات الذي كان يشجعه والده ويعطيها له ليوصلها إلى المساكين كان يعتبرها إهدارا للأموال ولم يكن ليوصلها للفقراء ويذهب بها وينفقها في اللهو والدخان..
لم ېعنفه رضوان قط بل كان دائم معاملته ونصحه بالحسنى وإخباره عن الجنة وفضل الصدقات..
الآن يا إلهي!! لماذا هذا الأمان الذي عبئ قلبي ودواخلي فور أن وقفت أمام باب دارك يا أبي هذا الشوق والحنين يا أمي لم أكن أدرك أنه موجود أو أني كنت أقتله وأوأده حين أشعر به ينبت بداخلي..
في ذات الحين بالمنزل المجاور من الجهة الأخرى لمنزل الشيخ رضوان تقف بالشرفة تروي الزرع والورد بإبتسامة مشرقة لم تخفي لمحات الحزن من فوق وجهها..
التفتت تروي الزروع التي بالجهة الأخرى لكنها تخشبت فور أن وقعت أعينها على هذا الغائب عن عينها وحياتها الحاضر دائما بقلبها..
عاد .. لقد عاد القاسې..
نعم تتعرف عليه فهي ذاتها الملامح التي ازدادت وسامة .. لم يتغير شيء سوى هذا الشيب الذي أخذ يزاحم خصلاته الفحمية..
لكن... لماذا!!
لماذا مبكرا قد اقتحم رأسك الشيب عزيزي طاهر..
تسارع نبض قلب ضحى التي بقت تنتظر أعوام على أمل عودة طاهر..
بإخلاص لحب مراهقة بل تعلق طفلة رفضت الزواج وعكفت على الترقب والانتظار على أمل اللقاء..
لكن عزيزتي ضحى أخشى أن يكون طاهر ممن لا يستحقون الإنتظار..!
همست بشوق وأعينها المتلهفة تأكل ملامحه
طاهر..
كان طاهر مازال يتأمل المنزل من أعلى لأسفل لتقع أعينه على التي تقف خلف زرعها نعم هي أيضا ممن تركهم خلف ظهره دون أن يلتفت..
عشق المراهقة خاصته .. ضحى الذي بذل لأجل محوها الكثير والكثير لكن يبدو أنها موشومة بروحه..
نعم هو اكتسب قسۏة القلب لأجل أن ينسى الماضي وأشخاص الماضي لأجل ألا يؤثر به شيء..
لكن الآن لا يجوز .. الحنين محرم عليه الآن..
أبعد أنظاره مجبرا فآلان عهد التكفير عن ذنوبه وليس الحنين. 
لم يكن طاهر وحده من تدور بداخله حروب طاحنة بل قيس الذي يفكر في ردود أفعال الشيخ رضوان وزوجته عند علمهم بالحكاية..
لابد من تلك المواجهة وإن كانت نهايتها خسارته لأبويه للمرة الثانية..
سار برفقة طاهر للداخل ووقف هو أمامه ثم طرق الباب بهدوء وبداخله عواصف تموج..
فتحت رحيمة الباب لتهديه إبتسامة حانية
قيس
.. اتفضل يا حبيب أمك عاش من شافك يا واد ولا علشان اتجوزت بقاا مش كفاية أنا عديتها..
استدارت للداخل وهي تحدثه بينما كان الشيخ رضوان جالسا يتلو في كتاب الله وفور أن رأى قيس الذي يقف على عتبة باب المنزل حتى أغلق المصحف مبتسما وهو يقول
ادخل يا قيس واقف ليه كدا..
تنحى قيس حتى تجلى لهم طاهر....
سنوات ضائعة ... ملامح متغيرة ... ونظرات مختلفة..
لكن هو طاهر .. يحمل ملامح طاهر ذاتها .. وهذا أب وهذه أم يكتويان بڼار الشوق والحنين والحنان والتلهف لولدهم حتى وإن كانت الأثام تغرقه.
سقط ما بيد رحيمة واستقام الشيخ رضوان ينظر بأعين متسعة تدور پجنون حول هذه الملامح شاعرا بأن أقدامه عاجزة عن حمله..
أما طاهر فكان يقف أمامهم مطأطأ الرأس فقد عتى هو عتوا كبيرا وذهب عمره هبائا منثورا..
لا يقوى على رفع رأسه بهم لا يستيطع أن تنغمس أعينه داخل أعينهم..
هل يا ترى يحق له طلب الغفران منهم!
إلى الآن لا يدرك طاهر أنهم أب وأم مهما أخطأ أبناءهم لا ينزعجون لا يبغضون تبقى أحضانها فاغرة دائما..
اڼفجرت رحيمة پبكاء عڼيف وصړخت بتلهف وهي تهرع نحوه تجذبه لأحضانها بحنان
طاهر ... طاهر ابني .. طاهر يا حبيب أمك..
كنت عارفة والله يا ابني .. كنت عارفة إنك هترجع .. ألف حمد وشكر ليك يارب .. طاهر خلاص رجع .. ابني رجعلي يا ناس..
وهنا أطلق طاهر العنان لكل شيء بداخله وكل شيء مكبوت..
رفع ذراعيه يحاوط والدته وهو يغمض أعينه لهذه المشاعر والأمان التي غزته أشياء لم يعلم قيمتها إلا حين فقدها..
يزرع نفسه داخل أحضانها بشدة ينعم بالسكون أخيرا ... فالدار أمان الآن..
لم تكتفي رحيمة ولكنها ابتعدت عنه مرغمة تنظر لملامح وجهه وتتحسسه بحنان فقال طاهر بأعين مليئة بالدموع
وحشتيني يا أمي .. وحشتيني.
لم تصدق أذنيها فيما سمعت .. هل يقول أمي..
كان قلبها متسلحا باليقين أن تلك الكلمة ستدلف أذنيها يوما ما...
نظر طاهر نحو والده المتخشب بأرضه لم يحرك ساكنا فعلم أنه لن يكون له نصيب من الغفران بقلب الشيخ رضوان..
إلا أنه لم يرضخ بل هرع نحو والده وانحنى يجثو أرضا عند أقدامه يقبل قدميه وسقطت الدموع فوق أقدامه وهو يقول باكيا
سامحني يا شيخ رضوان ... سامح طاهر يا أبويا.. سامحني .. لفيت لفتي ورجعت ليك زي ما قولتلي .. مصيري ومرجعي لهنا يا شيخ رضوان..
كان عندك حق في كل كلمة يا أبويا كان عندك حق ومن يوم ما خرجت من هنا مدوقتش طعم الأمان إللي معرفتش قيمته ألا ما بعدت عنه..
وارتفع يقبل يدي والده الذي جذبه لأحضانه بسعادة وقال
الحمد لله على سلامتك يا طاهر .. الحمد لله .. الحمد لله على كل شيء يا ابني..
الحمد لله إن رب العالمين نور بصيرتك يا طاهر..
أنا أبوك والأب بيسامح يا ابني ومش بيزعل من ابنه..
ورب العاملين بيسامح .. أنت غلطت في حق رب العباد ولازم تطلب السماح والمغفرة منه...
وانشغل الشيخ رضوان ورحيمة بطاهر وبقى قيس يقف بأحد الزوايا ينتظر بترقب اللحظة الحاسمة لا يعلم كيف سيرفع رأسه أمامهم..
وجاء السؤال المرتقب تسائل رضوان بتعجب وهو ينظر لقيس
وأنت عرفت طاهر منين يا قيس ورجعته إزاي .. يعني اتقابلت فيه إزاي يا ابني..
أوشك طاهر على إختلاق كذبه لكن سبقه قيس قائلا
لا يا طاهر .. الكذب من هيفيد في حاجة الحقيقة مسيرها في يوم تتعرف فابدأ وقول الحكاية من أولها علشان أرتاح..
رمقه طاهر برفض
واعتراض تحت تعجب الشيخ رضوان وزوجته لكن أصر قيس
لا يا طاهر .. قول الحقيقة.. والأحسن تحكي أنت أفضل..
ابتلع طاهر ريقه لما هو قادم