رواية خذلان الماضي كاملة بقلم دودو محمد


اللي أنتي اشترتيها بفلوسي خديها معاكي!
نظرت إلى النقود باستحقار وكأنها ورقة ممزقة تعكس اللامبالاة التي أحاطت بها وتكلمت بصوت مخټنق
خلي فلوسك معاك مش محتاجة حاجة منك احجزلي بس تذكرة رجوعي لمصر.
ثم تحركت إلى الخارج وعادت إلى المنزل. أغلقت الباب خلفها ودلفت غرفتها وارتمت على السرير وظلت تبكي پألم شديد حتى تقطعت أنفاسها. في النهاية اعتدلت على السرير تنظر أمامها بروح منكسرة وفاقدة للحياة. أوجعت تلك الذكريات قلبها ومضت بخيالها لتعود إلى اللحظات السعيدة التي كانت تملأ حياتها. نهضت بجسد متأرجح أخذت الأشياء التي تخصها وضعتها في الحقيبة وكأنها تتخلص من كل ما يعيد لها أوجاع الماضي. وفي هذه الأثناء أعلن هاتفها عن وجود اتصال. أجابت بصوت حزين وكأن العواطف تغلبت عليها وقالتنعم أتاها صوت رجولي يقول لها
تقدري تغوري كمان ساعة حجزتلك الطيارة. 
فقط وأغلق الخط في وجهها تاركا إياها في دوامة من المشاعر المضطربة نظرت إلى الهاتف بدموع وشاركت وحدة قلبها مع تلك اللحظة ثم أخذت الحقيبة وغادرت الفيلا متجهة إلى المطار حيث كانت تأمل أن تجد بداية جديدة بعيدا عن آلام ماضيها.
باااااك...
أنهت كلامها وارتمت داخل أحضان زوجة أخيها مي وتكلمت من بين شهقاتها قائلة
ده مفكرني أن اتجوزته علشان فلوسه بس ربنا يعلم أن أنا حبيته بجد متوقعتش أن هو بالقذارة دي.
ربت مي على ظهرها بحنو وتكلمت بنبرة هادئة تشبه نسمات الفجر 
بطلي هبل وبلاش عياط هو ميستهلش دمعه واحده من عيونك أنا من الأول مكنتش مرتاحة ليه مغرور كده وشايف نفسه معرفش على أيه.
أضافت والدتها بحزن يملأ قلبها 
طيب نخلي أبوكي يكلمه ويصلح ما بينكم مدام لسه بتحبيه.
انتفضت مكانها وحركت رأسها برفض شديد وقالت پغضب يكسو صوتها
أوعي يا ماما تعملوا كده بلاش نرخص نفسنا ليه هو شايفنا أننا عايشين بفلوسه وذلني بكلامه ده.
رد أبوها عليها بحنو وعطف وتكلم بنبرة حزينة مؤثرة 
لا عاش ولا كان اللي يذلك يا قلب أبوكي حقك عليا أنا يا ضنايا.
نهضت سريعا وجلست بجواره وارتمت في حضنه وتمسكت به بقوة وقالت 
طول ما أنت في ضهري هفضل قوية وراسي مرفوع لفوق ربنا يخليك ليا.
رد رامي عليها پغضب 
يغور في داهيه تشيلوا بكرة يجيلك سيد سيده.
نظرت له بدموع تحجب رؤيتها وقالت بصوت مخټنق 
لا سيد سيده ولا سيد الناس أنا خلاص جربت حظي مرة ومستحيل أكررها تاني أنا هعيش لوحدي أحسن مليون مرة من اتجوز واحد يكون عينه على جسمي وبس.
نظرت والدتها إليها بحزن وقالت بصوت مفعم بالحنان 
قومي يا بنتي ريحي جسمك في أوضك وربك قادر يريح قلبك.
نهض ياسين ابن أخيها وتمسك بها ببراءة قائلا 
أنا هنام مع عمته راما.
حملته على ذراعها وقبلته بحب غامر وقالت 
قلب عمته أنت يا ياسين يلا بينا يا بطل.
ثم نظرت لهم بابتسامة دافئة قائلة 
تصبحوا على خير.
تحركت إلى غرفتها ونظرت إليها بشوق شديد إذ أنزلت ابن أخيها وتحركت ببطء ومررت أصابع يدها على المكتب الخاص بها ثم أمسكت بلعبة خاصة بها. انهمرت دموعها عندما تذكرت حياتها السابقة وكيف كانت فتاة مفعمة بالحيوية. جلست على السرير وضعت يدها على وجهها لكنها تفاجأت بسؤال ابن أخيها وهو يقول لها 
هو انتي ليه مش معاكي أطفال زي ماما وبابا يا عمته
نظرت له بحزن يملأ عينيها حيث تجددت في ذهنها ذكريات شهور زواجها القصيرة حين وضعت آمالها وأحلامها ورغباتها الشخصية
جانبا. تذكرت تلك اللحظة التي أشترط فيها زوجها تأجيل الإنجاب وهي التي كانت تعتقد أنه يريد أن يستمتع بفرحة العيش سويا. لم يكن الأمر مجرد قرار عابر فقد كانت تحمل موانع الحمل بتلك النية وابتسمت بۏجع في قلبها وقالت 
علشان ربنا مرزقش عمته بطفل قمر زيك وبعدين أنت ابن قلبي أول ما عيني شافت.
أدخل ياسين سعادتها المفقودة في تلك اللحظة فاحتضنته ووضعته على السرير وتمدت بجواره كما لو كانت تتطلع للمشاركة في براعم الحياة والبراءة التي تملأ قلبه. كما لو أن عودتها للطفولة بين أحضانه قد تذكرها بجوانب من نفسها التي فقدتها. قالت 
يلا بقى ننام علشان أنا تعبانه أوي من السفر.
رد عليها الطفل ببراءة وقال بتساؤل 
هو انتي هتسافري تاني يا عمته
حركت رأسها بالرفض وانتابها شعور من الراحة في وجوده بينما كانت تشعر بشيء من الخۏف من فكرة مغادرة المنزل مرة أخرى. قالت بنبرة مخټنقة تعكس تداخل المشاعر 
لا يا حبيبي قاعده معاكم هنا على طول ويلا بقى نام بلاش أسأله كتير.
أغلق الطفل عينيه وبعد وقت ذهب في سبات عميق. عندما تأكدت أنه نام نهضت من جواره واتجهت إلى المرحاض حيث أخذت حماما دافئا لتغسل عن نفسها تعب اليوم ومشاعرها المتناقضة. ثم خرجت ارتدت ملابسها وتمدت بجوار الطفل. ظلت تفكر فيما حدث لها حتى غلبها النعاس وذهبت في نوم عميق في عالم من الأحلام التي تنسجها أفكارها وترتبط بأيام لم تكن تعرف فيها الألم حيث كانت ترى الأمل في كل زاوية من زوايا حياتها. 
الجزء الثاني
بعد مضي عدة شهور على الأيام العصيبة التي عاشتها راما استيقظت من نومها على صوت ياسين ابن أخيها. كان ينادي باسمها بحماس يشبه شعلة من النور محاولا أن يجعل صباحها أكثر بهجة. فتحت عينيها بصعوبة وتحسست الأحلام التي كانت تراوضها قبل أن تستيقظ ثم قالت بنعاس متصل بالمشاعر 
فيه أيه يا ياسين على الصبح كدة 
تكلم بطفولية وكأن قلبه مليء بالأمل بينما كان وجهه مليئا بالرجاء فقال بترجي 
عندي تمرين سباحة في النادي وبابا في الشغل مش هيعرف يوديني وماما تعبانه من الحمل ومش لاقي حد يوديني. بليز يا عمته قومي انتي وديني. 
هنا شعرت راما بمزيج من التعاطف والتعب ردت عليه پألم إذ شعرت بالتعب يؤثر عليها 
معلش يا ياسين مش قادرة والله تعبانه. 
أدرك ياسين ما تعانيه عمته لكن براءته دفعت به لنظرة حزن مختلطة پغضب طفولي ثم تركها وخرج من الغرفة. نظرته جعلتها تشعر بنبض القلق في قلبها. زفرت بضيق ونهضت بصعوبة من على السرير وكأن كل خطوة تتطلب جهدا كبيرا ثم دلفت إلى المرحاض لتجهيز نفسها لتحضير أيام كثيرة مليئة بالتحديات. وبعد لحظات خرجت مرتدية ملابسها وممشطة شعرها متمنية أن تبدو قوية. خرجت من غرفتها واتجهت إلى غرفة ياسين حيث كان يجلس على سريره بوجه عابس يحمل أحمال العالم على كاهله. تحركت نحوه وجلست بجواره محاولة تنقله من عالم الحزن إلى عالم الفرح وقالت بمزاح 
ينفع كده يعني أجهز وحضرتك لسه مجهزتش 
نظر لها بضيق وتكلم پغضب طفولي 
مش رايح خلاص يا عمته جهزتي نفسك على الفاضي. 
لم تستطع راما إلا أن تضحك على براءته نظرت له بابتسامة مازحة ثم بدأت تدغدغ فيه وكأنها تعيد الحياة إلى روح الصغير وتكلمت بمزاح 
ما هو لو مجهزتش نفسك حالا هفضل أزغزغ فيك كده لحد ما تقول حقي برقبتي.
تعالت ضحكات الطفل بسعادة وكأنها أكدت له أن الحياة تستحق العيش وتكلم بصعوبة 
خلاااص يا عمته هجهز والله إحنا آسفين يا صلاح. 
احتضنته بحب وكان ذلك الحضن يحمل معاني كثيرة وقالت بابتسامة حنونة 
حبيب قلب عمته يلا يا بطل ربع ساعة والاقيك جاهز فاهم. 
ثم خرجت من الغرفة وأغلقت الباب خلفها