رواية خذلان الماضي كاملة بقلم دودو محمد


عمر باستغراب وسأله وهو يشعر بقلق كبير 
وأيه علاجه يا دكتور
أجابه الطبيب بمهانية وثقة 
هكتبلك علاج ليها شربوها سوايل دافية كتير شوربة خضار أكل مسلوق تبعد عن أي روائح نفاذة. وإن شاء الله عشرة أيام بالكتير وهتبقى كويسة.
أومأ رأسه بتفهم عميق ثم شكر الطبيب معبرا عن امتنانه
شكرا يا دكتور.
ابتسم له الطبيب وقال في محاولة لتخفيف القلق عنهم 
العفو ده شغلي. تقدروا تمشوا بعد ما يخلص المحلول واهتموا بأكلها كويس لأنها ضعيفة جدا عن إذنك.
تركوا الطبيب وذهب ليتابع عمله ونظر عمر إلى ياسين وقال بجدية 
يسو ادخل أنت الأول وبلغها أن أنا هدخلها.
أومأ ياسين برأسه بالموافقة ثم ركض إلى الداخل وما أن دخل حتى نظر إلى عمته بقلق وقال بطفولية
سلامتك يا راما.
ابتسمت له بحنو وما زالت تعاني من التعب لكن هذه الابتسامه كانت بالنسبة لها تذكيرا بأن هناك أشخاص يحبونها ويدعمونها في محنتها 
الله يسلمك يا قلب راما.
أشار ياسين بأصابعه إلى الباب 
كابتن عمر عايز يدخلك يا عمته.
أومأت رأسها بالموافقة وأجابت بصوت هادئ 
ماشي يا حبيبي خليه يدخل.
اتجه الطفل إلى الباب وهتف على عمر الذي كان ينتظر بفارغ الصبر ثم عاد إلى الداخل وتحرك خلفه. نظر لها بقلق وسأل محاولا إظهار حقيقة مشاعره 
عاملة إيه دلوقتي يا مدام راما
أومأت برأسها بتعب لكنها حاولت أن تبدو إيجابية في حديثها وقالت 
الحمد لله كويسة. أنا آسفة أن عطلتك وتعبتك معايا.
ابتسم لها بلطف وأجاب بنبرة هادئة
مافيش عطلة ولا حاجة أنا أصلا بخلص الشغل في النادي وبروح على البيت على طول ومافيش تعب المهم إنك تبقي بخير.
تنحنحت بتوتر ثم قالت 
ش ش شكرا ممكن بقى نمشي علشان زمانهم قلقانين علينا في البيت.
حرك رأسه بتفهم واسع وأوضح
متقلقيش أنا اتصلت بيهم في البيت وطمنتهم عليكي وهم مستنيين أوصلك بس لما يخلص المحلول ده كله.
ابتسمت له بتوتر لكن ابتسامتها كانت تحمل مشاعر شكر وامتنان عمقين. 
م م ماشي.
لأول مرة ابتسمت له مما جعل قلبه يتراقص من شدة السعادة. جلس على الأريكة وجلس ياسين بجواره مقبلا رأسه بحنو ثم ظل يتابعها حتى وجدها قد غفت. خرجت منه تنهيدة حارة وظل نظره معلقا عليها بكل اهتمام حتى انتهى المحلول. نهض من مقعده مال بجسده وحملها بين ذراعيه ثم خرجوا من الغرفة. اتجهوا خارج المستشفى وضعها داخل السيارة وصعد ياسين بالمقعد الخلفي وانطلق بهم إلى منزل راما حيث كانت محاطة بأجواء الحب والدعم من عائلتها.
في صباح اليوم التالي استيقظت راما من نومها على صوت يؤذي السكون كان صوتا رجوليا آتيا من الخارج يتردد خارج جدران الغرفة. نهضت من فراشها بخطوات متثاقلة وثقيلة وكأنها تحمل ثقل الأيام التي مرت واتجهت نحو الباب مشدودة إلى الصوت الذي كان يخلط بين القلق والجدية. عندما فتحت الباب بلطف كان قلبها ينبض بسرعة ونظرت من خلفه لتجد عمر يقف هناك محاطا بكثير من الحقائب التي تعكس جهوده في مساعدتها. كان يمد يده إلى مي بلهجة جادة ومتجددة قائلا 
خدي دول يا مي أسلقي فرخة واعملي ليها شوربة خضار واهتمي بأكلها. وكمان جبتلها شوية مشروبات أعملي منها على طول وخليها تشربهم وهم دافيين. وده العلاج مكتوب عليه المواعيد لازم تخده في مواعيده. مي ركزي في اللي قولته. الدور ده عايز سوايل دافية كتير والعلاج بانتظام وغذا.
رفعت إحدى حاجبيها بملامح مازحة وكأنها تبحث عن خفة في الأجواء التي كانت مشحونة بالقلق ثم قالت بمرح 
أحلف! انت فيه أيه يا عم ما براحة علينا يا حونين.
لكن عمر بتعابير وجه جادة وملامح تتسم بالقلق العميق تنبهها بأسلوب صارم وعاطفي 
مي الموضوع مش هزار. اهتمي كويس براما. الدور اللي عندها صعب ومحتاجة غذا كويس.
ابتسمت مي بسعادة بملامحها الندية ووافقت على حديثه برأسها قائلة 
عيوني من غير ما تقول كل ده أنا واخده بالي منها من إمبارح. مسبتهاش طول الليل قاعدة معاها في الأوضة بعملها كمادات.
أجابها مبتسما بنفحة من المزاح الذي لم يخل من الجد 
أيوه كده شطورة. خليكي معاها عايزها رهوان فاهمة.
غمزت له بابتسامة معبرة عن امتنانها لدعمه وتفهمه وأجابت 
طبعا فاهمة كل حاجة فاهمة وبالأوي كمان.
وفي تلك الأثناء خرجت راما من الغرفة وتنحنت بتوتر وكأنها تحاول استعطاف العالم بأسره قائلة 
ص ص صباح الخير.
ابتسم عمر لها بنبرة هادئة تعكس المحبة والطمأنينة قائلا 
صباح النور طمنيني عاملة أيه النهاردة
أومأت برأسها متلعثمة وكأن ترددات القلق ما زالت تسيطر عليها 
ك ك كويسة الحمد لله.
نظرت مي إليهم بسعادة حيث كانت الأجواء رغم ثقلها مليئة بالأمل وتوجهت نحو المطبخ قائلة 
هروح أعملك زي ما سي عمر قالي أوعدنا يا رب.
نظرت راما إلى أثر مي بتوتر وكأنها تخشى أن تعود إلى السكون الحالك ثم عادت لتنظر إلى عمر قائلة بشكر مما أضفى لمسة من الود على الأجواء 
ش ش شكرا على اللي عملته معايا إمبارح ب ب بس مكانش ليه لزوم تجيب كل الحاجات دي.
رد عليها عمر بسعادة موضحا 
أنا معملتش حاجة ده واجبي. واللي جبته النهاردة دي حاجة بسيطة. المهم إنك ترجعي زي الأول وتبقي كويسة.
تنهدت راما بحزن ونظرت إليه بأسف عميق كأن الدموع تتراقص في عينيها بانتظار الحرية 
أستاذ عمر أ أنا آسفة على الكلام اللي قولته ليك إمبارح. أنا فعلا مافيش ما بينا عداوة. اللي بعمله معاك ده مش عن قصد ولا إنك عملتلي حاجة وحشة. بس دي طريقتي وأسلوبي مع أي حد معرفهوش أو بمعنى أصح مع أي راجل غريب. علشان كده مش عايزك تفتكر أن أسلوبي معاك ده عن قصد ولا عداوة شخصية.
ابتسم عمر لها بابتسامة هادئة وتحدث بأسلوب راق وصادق قائلا 
بصي يا مدام راما أنا متفهم وضعك والظروف اللي مريتي بيها. علشان كده أنا مزعلتش منك ولا بيكون ليا رد فعل معاكي زي ما متعود مع اللي بيتعاملوا معايا بطريقتك دي. أنا أعرفك من أيام ما كنت أنا في الجامعة اه أنتي متفتكريش أو ممكن كمان تكوني ماأخديش بالك مني لأن رامي كان متحفظ شوية أن أدخل عندكم حفاظا على خصوصيتك وان بنت موجودة في البيت. ومينفعش أدخل البيت في وجودك مع إنك وقتها كنتي صغيرة في إعدادي. بس أنا احترمت رغبة أخوكي. بس أوقات كنت بشوفك وهو رامي رايح يخدك من المدرسة أو أشوفك صدفة في الشارع. كنتي غير كده كنتي كلك حيوية وتفاؤل. ضحكتك على طول مرسومة على وشك كنتي بتجليبي البهجة لكل اللي حواليكي. كنتي شقية في نفسك وعلى طول ضحك وهزار. أما دلوقتي بقيتي واحدة تانية خالص. طول الوقت حزينه وشايلة الهم. الدموع واقفة في عيونك بتحاولي معاها علشان متخدعكيش وتنزل قدام حد. مش عارف بقولك الكلام ده ليه بس فعلا نفسي ترجع شخصيتك بتاعت زمان.
أغلقت راما عينيها حتى لا ټخدعها دموعها وتحدثت بصوت مخټنق يعكس عمق الألم الذي تحمله 
محدش بيختار مصيره بإيده كله نصيب. في الأول وفي الآخر أنا كمان بزعل على نفسي نفسي أرجع زي زمان ومش عارفة. واحشتني شخصيتي اللي مكانش القلب موجوع فيها...
ثم ابتسمت پألم وكأن الذكريات تلعب بها وأضافت 
نفسي أرجع البنت اللي كانت بتتذمر