من تحرّكي أيتها العاجزة إلى لن تقفي وحدك أبدًا: حكاية إميلي وفرسان الحديد


شبحا يتجول في الممرات ويحاول ألا يلفت الانتباه.
صارت اسما وقصة وصوتا يحكيه الآخرون وهي تسير بينهم.
ومع ذلك كان في داخلها شيء لا يزال يرتجف.
ذلك الجزء العميق جدا الذي لا تصله كاميرات الهواتف ولا تعليقات الغرباء.
ذلك الركن المظلم الذي يحمل ذكرى الحاډث صدى الزجاج المتكسر الصړاخ الضوء الأحمر ثم العكازان اللذان صارا جزءا من حياتها.
ذلك الجزء كان يهمس لها
كل هذا جميل لكنك ما زلت تمشين بصعوبة ما زلت مختلفة.
مرت الأيام القليلة التالية ثقيلا وخفيفا في آن واحد. ثقيلا بحجم التحول الذي يحدث حولها وخفيفا عند كل مرة تشعر فيها أن العالم ولو مؤقتا أقل قسۏة.
وفي صباح السبت قبل أن ينقطع أسبوع الحدث سمعت مجددا ذلك الصوت الذي بدأ يرتبط في ذهنها بمعنى جديد للأمان هدير محركات الدراجات.
هذه المرة لم يكن في الشارع العام قرب موقف الحافلة بل أمام بيتها مباشرة.
سحبت الستارة بيد مترددة وكأنها تخشى أن يكون ما تراه حلما.
لكن الواقع كان أوضح من أن يشك فيه.
صف طويل من الدراجات مصطفا على طول الرصيف ألوان مختلفة موديلات متنوعة خوذ معلقة على المقابض سترات جلدية مفتوحة رجال ونساء يقفون يتبادلون النظرات والابتسامات وبعضهم يضع يديه في جيبه بثقة من اعتاد أن يقف في وجه العواصف.
وعند المقدمة كان مايك لوسون واقفا مستندا إلى دراجته الهارلي يحمل باقة من زهور الأقحوان البيضاء.
لم تكن الزهور فاخرة كالورود الحمراء التي تعرض في محال كبيرة لكنها كانت بسيطة دافئة تشبه أرواح الذين لا يتكلفون.
شعرت أمها بالقلق للحظة وهي ترى المشهد فهي أم في النهاية ترى مجموعة من الدراجين بملامح حادة وسترات سوداء أمام بيتها لكن قلبها طمأنها حين تذكرت ما فعلوه في ذلك اليوم.
طرق مايك الباب ثلاث طرقات ثابتة.
تبادل هو وأعضاء النادي نظرات صامتة وكأنهم يقولون قد تشعر بالخۏف منا علينا أن نكسر هذا الحاجز بلطف.
فتحت إميلي الباب وظهر نصف وجهها أولا.
ثم فتحت أكثر لترى المشهد كاملا.
رفع مايك الباقة قليلا وقال بابتسامة واسعة
هل تظنين أننا سننسى أمرك مستحيل.
كانت الجملة بسيطة لكنها حملت قدرا من الصدق كفيلا بجعل حلقها يختنق وكأن دمعة واحدة علقت في منتصف الطريق بين العين والقلب ورفضت أن تستمر.
تدخلت الأم في تلك اللحظة ففتحت الباب على اتساعه وقالت وهي تحاول أن تبدو هادئة
تفضلوا شكرا لكم على ما فعلتم لابنتي.
قال أحد الدراجين وهو يخلع خوذته
نحن لم نفعل سوى ما يجب أن يفعله أي إنسان.
تبادل الجميع التحية وبعضهم اكتفى برفع اليد أو الإيماء بالرأس احتراما.
لم يكن أحدهم يحاول أن يتصرف كبطل خارق كانوا يبدون عاديين.
لكن هذا العادي بالنسبة لهم كان استثنائيا بالنسبة لإميلي.
جلس مايك في غرفة الجلوس واضعا الباقة في المزهرية التي أحضرتها الأم على عجل.
ظلت إميلي واقفة لدقائق قبل أن تجلس على الأريكة المقابلة عكازاها يميلان على جانبها كأنهما يستمعان أيضا.
سألته أمها
لماذا كل هذا العناء لقد اكتفيتم بما فعلتم أنقذتمها من موقف صعب وهذا يكفي.
هز مايك رأسه نافيا
لا سيدتي الوقوف في لحظة واحدة جميل لكنه لا يكفي لإصلاح ما صنعه التنمر لسنوات. الألم لا يزول في يوم أو يومين. نحن جئنا لنقول لها إن تلك اللحظة ليست استثناء بل بداية.
نظرت إميلي إلى يديه خشنتين من العمل عليهما آثار شحم وندوب صغيرة علامات حياة مليئة بالمجهود والتجارب والخسارات والانتصارات الصغيرة. رجل مثل هذا يعرف معنى أن تسقط وتنهض مرات عديدة.
منذ ذلك اليوم لم يعودوا مجرد رجال على دراجات مروا في حياتها كعاصفة جميلة ورحلوا.
صاروا جزءا من