من تحرّكي أيتها العاجزة إلى لن تقفي وحدك أبدًا: حكاية إميلي وفرسان الحديد


لا
جسدها.
توقفوا عند مطعم صغير على الطريق السريع.
كان المكان بسيطالافتة حمراء باهتة نوافذ زجاجية ترقص عليها ظلال الأشجار رائحة خبز وزبدة وقهوة قديمة.
نزلت عن الدراجة ببطء لكن بثبات.
لم تشعر تلك المرة أنها تحتاج لإخفاء الألم حين تضع العكاز على الأرض.
لم تعد ترى عكازيها كعار بل كقلم يكتب خطواتها بطريقة مختلفة.
وقف مايك قربها وهو يخلع خوذته شعره الرمادي يتناثر بفوضى جميلة صنعتها الريح.
قالت وهي تضحك ضحكة حقيقية خرجت من قلب لم يعد يعرف ثقل البكاء كما كان
تعرف ما المدهش
لم أعد أشعر أنني مکسورة.
نظر إليها مايك طويلا كأنه يحفظ تلك الجملة في ذاكرة خاصة لا يسمح لأحد بدخولها ثم قال
لأنك لم تكوني مکسورة يوما
كنت فقط بحاجة إلى من يذكرك بقوتك.
لم تقل شيئا.
كانت الكلمات أقوى من أن يرد عليها.
وفي اللحظة نفسها شعرت بأن شيئا صغيرا في داخلهاشيئا انكسر قبل سنوات عاد ليلتئم أخيرا.
عادت إلى المدرسة صباح الإثنين لكن هذه المرة لم تشعر أن الممرات ضيقة أو أن الأنظار ترصد كل خطوة.
كانت تمشي وكتفاها أعلى ورأسها مرفوع ونظرتها مستقيمة لا تهرب.
حين طلبت الإدارة منها أن تتحدث في لقاء طلابي حول التنمر وقفت على المسرح بخطوات بطيئة لكنها واثقة.
حملت الميكروفون ورأت الوجوه أمامهامراهقين من مختلف الطبقات مختلفي الطباع بعضهم عرفها منذ كانت الفتاة التي تسقط بسهولة وبعضهم عرفها من الفيديو الذي صنع ضجة.
قالت بصوت هادئ لكنه قوي
التنمر ليس ضړبة على الأرض بل ضړبة على الروح.
وأسوأ ما فيه ليس أن يؤذيك بل أن يجعلك تصدق أنك ضعيف.
لكن الحقيقة
أن القوة ليست في القدمين اللتين تحملانك
بل في القلب الذي يجعلك تقف كل مرة.
لم تكن الكلمات مكتوبة مسبقا.
خرجت من عمق لم تكن تعرف أنه حاضر فيها.
بدأ البعض يصفق ثم امتلأت القاعة بالتصفيق ذلك التصفيق الذي يدخل الروح لا الأذن.
وفي الخلف خلف الطلاب كان رجل بلحية رمادية يقف قرب الباب خوذته تحت ذراعه ينظر إليها بفخر أبوي لا يحتاج أن يقال بصوت.
هز رأسه لها فقط وكانت تلك الإيماءة أغلى من كل التصفيق.
بعد أشهر وفي صباح هادئ كأن الزمن نفسه توقف فيه عادت إميلي إلى موقف الحافلة القديم.
نفس الرصيف.
نفس لوحة الإعلانات التي كانت ممزقة.
نفس العمود المعدني الذي ارتطم به أحد عكازيها يوم سقطت.
لكن كل شيء آخر تغير.
كانت خطواتها أكثر ثباتا.
كانت يدها تمسك بالعكاز بثقة لا محاولة للاختباء.
والأهم لم تكن وحدها.
على بعد بضعة أمتار كان يقف اثنان من فرسان الحديد يراجعان شيئا على دراجتيهما وكأن الأمر عابر.
لكنها عرفت أنهما هنا لأجلها لا لحماية جسدها من متنمر جديد بل لحماية روحها من أن تشعر أنها وحدها في مواجهة العالم.
ابتسمت لهما فبادلاها الإيماء باحترام صامت.
مرت الحافلة وانعكست صورتها على الزجاج.
نظرت إلى ملامحها جيدا إلى عينيها اللتين صارتا أكثر عمقا إلى الخدوش التي اختفت إلى الندوب التي بقيت لكنها لم تعد مرعبة إلى الفتاة التي لم تعد ترى نفسها عاجزة بل ناجية ومقاتلة وامرأة صغيرة تتعلم كيف ترفع رأسها بلا خوف.
همست لنفسها
القوة ليست في المشي بلا عرج
القوة في القدرة على النهوض مرة بعد مرة.
وبينما صعدت إلى الحافلة دوى في البعيد هدير محركات
هدير مألوف يشبه وعدا يرافقها أينما ذهبت
أن العائلة ليست دائما تلك التي نولد فيها
بل تلك التي تظهر حين يرحل الجميع.
وانطلقت الحافلة نحو يوم جديد
ووراءها بقيت آثار الدراجات على الطريق
كأنها توقيعات لرجال ونساء قالوا للعالم يوما
الإنسان لا يقف وحيدا طالما بقي في الأرض من يعرف معنى الشجاعة.