من تحرّكي أيتها العاجزة إلى لن تقفي وحدك أبدًا: حكاية إميلي وفرسان الحديد


مقر النادي أمرا غريبا.
كان لها مكان خاص تجلس فيه على كرسي قريب من الباب حيث تستطيع أن ترى الداخلين والخارجين وتستمع إلى ضحكاتهم وتشاركهم القليل من حكاياتها.
شيئا فشيئا بدأت تشارك في فعالياتهم الخيرية.
في البداية كانت فقط تساعد في ترتيب الطاولات أو وضع الكتيبات على المكاتب أو تثبيت البالونات في فعاليات مخصصة للأطفال في المستشفيات.
لكن ذلك الإحساس بالانتماء كان يكبر بداخلها مع كل يوم.
كانت تراقب الأطفال الذين يزورونهم بعضهم يخضع للعلاج بعضهم يجلس على كرسي متحرك بعضهم فقد شعره تماما.
حين كانت تبتسم لهم كانت ترى في عيونهم نفس السؤال الذي كان يسكن عينيها يوما
هل يمكن أن نكون سعداء هكذا رغم كل شيء
كانت الإجابة ببطء تصبح نعم.
لأول مرة في حياتها شعرت أنها ليست مجرد فتاة تمشي بعكازين وتهرب من الأنظار بل شخص له دور له مكان له عائلة اختارته كما هو لا كما يتمنى المجتمع أن يكون.
مرت الأشهر وكبر معها شيء يشبه جناحين غير مرئيين على ظهر إميلي.
لم تكن تعرف متى حدث ذلك بالضبط
أكان في اليوم الذي صعدت فيه لأول مرة على دراجة مايك
أم في اليوم الذي وقفت فيه أمام فصل دراسي كامل وتحدثت بلا خوف
أم في تلك اللحظة التي نظرت فيها إلى العكازين ولم ترهما كقيد بل كأداة تعبر عن رحلتها لا عن ضعفها
كان كل يوم يحمل إجابة صغيرة وكل موقف يضيف قطعة جديدة لشخصيتها التي تتشكل من جديد.
جاء صباح سبت مشمس صاف بطريقة تجعل الهواء يبدو جديدا.
كانت الشمس تلمع فوق خزانات الوقود المعدنية الصقيلة وعلى مقابض الدراجات وعلى الخوذ السوداء المصفوفة على الطاولات الخشبية قرب مقر النادي.
اليوم هو يوم الركوب الخيري الذي ينظمه فرسان الحديد كل عام لصالح المستشفيات ودعم الأطفال من ذوي الإعاقة.
وقفت إميلي عند حافة التجمع تتفحص المشهد بعينين اتسعتا بتموج الضوء.
كانت هناك عشرات الدراجات قبل أن تتحرك تلمع كقطع حديدية حية تستعد للتحليق.
زوجان كبيران في العمر يتبادلان الضحك شابان يلتقطان الصور امرأة تحمل خوذة وردية وطفلتها تلوح بعلم صغير رجال بملابس جلدية يثبتون حقائبهم ومجموعة تراجع خط السير على خريطة كبيرة.
كانت الحياة تدور حولها لكنها لم تعد تقف عند الهامش.
اقترب منها مايك وهو يحمل خوذتها الجديدة.
كانت خوذة صغيرة الحجم لكنها قوية تحمل رسمة بسيطة لزهرة الأقحوان نفس الزهرة التي أهداها لها في أول زيارة لهم إلى بيتها.
قال مبتسما
جاهزة للطريق
تمسكت بالخوذة قليلا ثم أومأت بثقة.
كانت في الماضي تخشى السقوط من أبسط درجات السلم فكيف لو أخبروها قبل عام أنها ستركب دراجة ڼارية خلف رجل يلقب بهامر
لكن الحياة غريبة حين يعطيك أحدهم يدا صادقة تستطيع أن تقف في أماكن لم تتخيلها يوما.
جلست خلفه وربطت حزام الخوذة ووضع هو يده على مقود الدراجة بينما كانت عكازاها مربوطة بإحكام على جانبها.
صوت المحرك حين اشټعل كان أشبه بقلب كبير ينبض بقوة العالم بأكمله.
كانت الريح حادة في البداية تهب على وجهها فتجعلها تغلق عينيها لثوان.
لكنها سرعان ما فتحتها وتعلقت بأكتاف مايك ليس خوفا بل استعدادا لعبور لحظة مهمة.
كانت عضلات ظهره مشدودة قوية ثابتة كأنها تخبرها لا تخافي. أمامك طريق طويل يستحق أن تعيشيه.
انطلقت الدراجات تباعا واحدا بعد الآخر حتى امتدت على الطريق كصف من السهام الحديدية اللامعة.
كانت السيارات تفسح لهم الطريق والناس يخرجون من محلاتهم وبعض الأطفال يركضون إلى الأرصفة ليلوحوا بأيديهم.
رفعت إميلي رأسها نحو الشمس.
لأول مرة منذ الحاډث لم تشعر بأنها محصورة داخل جسد محدود.
شعرت بأنها تمتد تتوسع تنطلق
وكأن روحها تركب الدراجة