من تحرّكي أيتها العاجزة إلى لن تقفي وحدك أبدًا: حكاية إميلي وفرسان الحديد


يومياتها.
كانوا
يزورون منزلها بين حين وآخر.
أحدهم يتقدم ليصلح شيئا في المطبخ. آخر يتفقد بعض الأسلاك القديمة. ثالث يصر على أن يتكفل بأجور إصلاح باب حديدي صدئ. كان البيت البسيط يصبح أكثر دفئا مع كل زيارة ليس بسبب ما يتغير في الجدران بل بما يتغير في الشعور بداخله.
في الأيام التي يشتد فيها البرد ويغطي الجليد أرصفة الحي كان مايك أو أحد أعضاء النادي يرسل رسالة قصيرة
جاهزة للمدرسة سنوصلك اليوم.
فتخرج لتجد دراجتين أو ثلاثا عند الباب وسيارة صغيرة تابعة لأحدهم لمن لا يستطيع ركوب الدراجة. كانوا يرفضون تماما أن تمشي وحدها في
شوارع زلقة يمكن أن تجعل الوقوف على العكازين مغامرة خطړة.
كانت إميلي تنظر إلى كل ذلك بدهشة.
لم يكن في حياتها أب فقد غاب عنها منذ كانت صغيرة.
تعودت أن تكون الأم هي الجدار الوحيد الذي تتكئ عليه.
الآن كان هناك جدار آخر مختلف في الشكل لكنه يحمل نفس الإحساس بالأمان.
مايك لم يحاول يوما أن يحل محل أحد لا والد غائب ولا عم بعيد.
كان فقط رجلا يقدم ما يستطيع وقتا وموقفا وابتسامة وكلمة تشجيع وكتفا قويا يمكن أن يسند رأسا مرهقا.
في إحدى زياراتهم بينما كان بعض أعضاء النادي في الحديقة الخلفية يصلحون سياجا مكسورا ويضحكون على نكات قديمة جلست إميلي في المطبخ مع مايك وحدهما تقريبا.
كانت تراقب بخار القهوة وهو يصعد من الكوب أمامها وتحاول أن تصيغ سؤالا ظل حبيس صدرها لأيام.
قالت أخيرا بصوت فيه شيء من الخجل
لا أريد أن أكون مجرد الفتاة التي تم إنقاذها. أشعر أحيانا أن الناس يرونني هكذا فقط ضحېة. وأنا لا أريد ذلك.
رفع مايك عينيه إليها بإمعان.
كان يفهم شعور أن تختزل في لحظة واحدة. هو نفسه حكم عليه في نظر البعض بأنه رئيس نادي دراجين لا أكثر دون أن يعلموا ما حمل في قلبه من حروب وما تركه في روحه من أثر.
ابتسم وقال
جيد أنك لا تريدين ذلك هذا يعني أن في داخلك شيئا أقوى من الثرثرة التي تدور حولك.
سكت لحظة ثم أضاف
سنعلمك كيف تقفين بثبات يا صغيرتي ليس على قدميك فقط بل في حياتك كلها.
منذ ذلك اليوم لم تعد لقاءاتهم مجرد زيارات لطيفة.
تحولت إلى ما يشبه مدرسة غير رسمية مدرسة لا تدرس الرياضيات أو الكيمياء بل دروسا من نوع آخر
كيف تجيبين حين يستخف بك أحد دون أن تنحدري لمستوى قسوته.
كيف تنظرين إلى عرجك لا كعيب بل كجزء من قصة طويلة علمتك الصبر.
كيف تعبرين الشارع بخطوات متوازنة متصالحة مع إيقاعك الخاص لا تحاولين مجاراة خطى الآخرين.
كيف تنظرين في المرآة دون أن تفتشي عن النقص بل عن القوة التي جعلتك تنهضين بعد كل سقطة.
لم يكتفوا بالكلام.
علموها استعمال أدوات بسيطة في إصلاح الأشياء كيف تستبدل مصباحا كيف تستخدم مفكا كيف تغير إطار سيارة على مهل خطوة بعد خطوة.
في كل مرة كانت تكمل مهمة ولو صغيرة كانت تلاحظ ذلك البريق في عيونهم بريق الفخر الصادق الذي لا يشوبه شفقة.
وكانوا في المقابل يحكون لها عن حياتهم
عن المخاطر التي مروا بها في الطرقات عن حروب خاضوها في بلدان بعيدة ثم عادوا منها وفي داخلهم حروب أكبر.
عن الأيام التي شعروا فيها بالضعف وكيف أن وجود شخص واحد يؤمن بهم أنقذهم من السقوط.
كانت تستمع إليهم فتدرك شيئا فشيئا أن العرج في الساق ليس أعظم امتحان يمكن لإنسان أن يواجهه وأن الكسور التي لا ترى بالعين أخطر من تلك التي تثبت في الجبس.
ومع مرور الأشهر لم يعد حضورها إلى