سمعتُ بكاء طفلين خلف مستودع… وما وجدته غيّر حياتي للأبد

وجدته في بركة من ماء المطر والدم الذي ينتشر ببطء وهو يضم رضيعين كأنهما الدليل الوحيد على أنه أحب شيئا في حياته يوما.
كان يحتضر.
وعندما اقتربت خطوة واحدة فتح عينيه بنظرة يأس لا تظهر إلا في اللحظة التي تسبق الاستسلام مباشرة.
كان المطر يهطل على منطقة المستودعات منذ ثلاث ساعات متواصلة مطر نوفمبر البارد الذي يتسلل إلى السترات الرخيصة في ثوان ويحول كل ضوء في الشوارع إلى لطخة باهتة. كانت معدة سكاي جاكسون فارغة منذ الغداء. وفي حذائها الرياضي ثقب صغير يدخل الماء مع كل خطوة. وكان هاتفها يظهر ثمانية بالمئة فقط من البطارية.
كانت تسلك الطريق الطويل إلى البيت الطريق الذي لا يراها فيه أحد من المدرسة وهي تمشي بدلا من أن تنقل في سيارة. الطريق القصير يعني سيارات الآباء وأطفالا ملتصقين بالنوافذ يتظاهرون بعدم النظر إلى الفتاة التي لا يأتي أحد لاصطحابها. أما الطريق الطويل فكان لها وحدها وللمستودعات الفارغة.
أقنعت نفسها أنها تفضل ذلك.
كان القميص الأحمر ذو القلنسوة واسعا على جسدها النحيل أكبر من مقاسها لكنه كان يمنحها شعورا بالأمان. دست يديها في الجيب الأمامي فلامست أصابعها منديلا ورقيا مطويا كانت عاملة المقصف قد دست لها رغيفين إضافيين وقالت بقايا. وكلاهما كان يعرف الحقيقة.
بدأت السماء تزداد قتامة. اشتعلت أضواء الشوارع وهي تطن فغسلت الإسمنت بلون أصفر باهت. مرت شاحنات ثقيلة وشقت أضواؤها الضباب. كان العمال ينقلون الصناديق تحت المظلات المعدنية. وفي مكان قريب دوى صوت رافعة شوكية وهي تتراجع إلى الخلف. أما الحارس عند البوابة فلم يرفع رأسه عن هاتفه. الجميع مرهقون الجميع يريدون العودة إلى بيوتهم.
تمتمت سكاي لنفسها
لم يبق الكثير.
تخيلت جدتها في الشقة الصغيرة. لا بد أن شيئا ما على الموقد ليس كثيرا لكنه يكفي شخصين إن اقتسماه بحذر.
عندها سمعت الصوت.
بكاء رقيق حاد يائس.
ثم بكاء آخر تداخل معه.
أطفال رضع.
توقفت سكاي عن المشي. كان الصوت يرتد عن جدران المستودعات فيحول ممرات التحميل إلى غرفة صدى. يعلو على هيئة دفعات قصيرة ثم يخفت ثم يعود من جديد كأنها إنذارات صغيرة لا يسمعها أحد غيرها.
سألت المرأة التي تمر بجوار البوابة وهي تدفع عربة صناديق
هل سمعت ذلك
توقفت المرأة أصغت لنصف ثانية ثم هزت رأسها
هذه أصوات آلات يا عزيزتي. عودي إلى بيتك قبل أن يشتد الظلام.
أومأت سكاي تلقائيا لكنها كانت تعرف.
الآلات لا تبكي هكذا.
تحركت قدماها نحو الصوت قبل أن يلحقها عقلها. تذكرت كل تحذيرات جدتها
لا تدخلي الأزقة.
لا تتبعي أصواتا غريبة.
لا تذهبي إلى أماكن لا يمر بها الأطفال.
قطع بكاء آخر الهواء أقصر هذه المرة كأن صاحبه يوشك أن ينفد منه النفس.
همست سكاي
لا بد أن يتأكد أحد.
ولم يتحرك أحد.
تركت المسار الرئيسي وانزلقت بين مستودعين. صار الهواء أبرد فورا. رائحة صدأ وزيت وماء قديم. انفتح ممر ضيق إلى ساحة تحميل أوسع يغطيها سقف معدني غير مكتمل. كان ضوء برتقالي لأمن المكان يطن فوق باب فولاذي ويلقي دائرة ضوء ضعيفة على الأرض.
تحت ذلك الضوء كان هناك رجل.
كان مستندا إلى الجدار ساقاه ممدودتان أمامه. حذاؤه لامع رغم الخدوش. قميصه الأبيض اللاصق بجسده مبتل حتى آخر خيط. سترته الرسمية مزاحة إلى الخلف وطوقه مفتوح. رأسه مستند إلى ألواح المعدن المموج.
وفي ذراعيه طفلان رضيعان.
كانا ملفوفين ببطانيتين بلون كريمي ووجهاهما محمران متجعدان وفماهما مفتوحان في بكاء مرهق. أحدهما يلوح بقبضتيه في الهواء والآخر يصدر أصواتا أضعف كأنه لم يعد يمتلك طاقة للاعتراض.
تجمدت سكاي.
ذلك الرجل يبدو كأنه ينتمي إلى شاشة تلفاز لا إلى بركة