رواية كامله


القصر.
إحداها متوترة والأخرى صغيرة على نحو لا يصدق.
تجاهلها في البداية غارقا في جداول بيانات لم تعد مهمة
إلى أن فاح في الممر عبير قهوة طازجة.
قهوة حقيقية ساخنة حية.
ثم جاء الصوت الذي أوقفه في مكانه
ضحكة حادة بلا تصفية في غير موضعها تماما.
تبع الصوت إلى المطبخ فوجد لينا أورتيز واقفة بجمود قرب المغسلة
وبجوارها على الأرض طفلة صغيرة ترتدي فستانا ورديا باهتا تدندن لدمية قماشية ذات أزرار.
نظرت إليه ميا بلا خوف.
كانت عيناها واسعتين فضوليتين كأنها تدرس لغزا لا رجلا.
أصاب الذعر لينا فأخذت تعتذر بسرعة مبالغ فيها
وتشرح إغلاق الحضانة وقلة الخيارات واليأس من الحاجة إلى العمل.
أصغى غراهام في صمت مستعدا لطردهما معا
إلى أن أمالت ميا رأسها.
تبدو حزينا قالت ببساطة.
هبطت الكلمات أثقل من أي توقع طبي.
استدار غراهام وتمتم بأن بإمكانهما البقاء ما دام لا توجد فوضى.
لكنه من خلفه سمع ميا تهمس لأمها
إنه ليس مخيفا إنما هو فارغ.
وفي تلك اللحظة وإن لم يكن غراهام يعلم بعد بدأ الصمت الذي بنى عليه حياته كلها يتداعى
صوتا صغيرا في كل مرة.
لم تكن ميا تنتمي إلى القصر ولهذا بالذات غيرته.
كان ضحكها يتردد في ممرات الرخام التي لم تعرف هذا الصوت يوما.
يرتد عن جدران بنيت للإبهار لا لاحتضان الفرح.
كانت تجلس على أرض المطبخ بورقها وألوانها الشمعية المکسورة
ترسم شموسا أكبر من اللازم وأشخاصا متشابكي الأيدي لم يتخيل غراهام يوما أن يكون واحدا منهم.
كل خط ترسمه كان يبدو تمردا صامتا على السكون الذي كان يعشقه.
في إحدى الأمسيات بينما كانت لينا في الأعلى تنظف الحمامات تاهت ميا في الممر الطويل.
كانت خطواتها الصغيرة بالكاد تسمع.
كان غراهام جالسا في مكتبه ينظر عبر الأرقام على الشاشة
غارقا في أفكار عن الألم الذي يعود إلى عظامه والزمن
الذي ينفلت من بين أصابعه.
لم يسمعها حتى تكلمت
مرحبا.
رفع رأسه فزعا.
كانت هناك ويداها خلف ظهرها تدرسه بجدية لا تليق بعمرها.
وقبل أن يطلب منها المغادرة قالتها مرة أخرى بنعومة وثقة
أنت حزين.
أنكر غراهام الأمر بدافع العادة لكن ميا هزت رأسها.
عيناك مطفأتان قالت. كشمعة حين ينفد شمعها.
نفذت الكلمات إليه لا لقسۏتها بل لصدقها.
لم يجرؤ بالغ واحد على قول ذلك له من قبل.
في اليوم التالي جاءت له برسم جديد.
بيت مائل طفلة صغيرة امرأة ورجل يقف وحده إلى الجانب.
هذا أنت قالت ميا لأنك تعيش وحدك. لكنني رأيتك.
نظر غراهام إلى الورقة ويداه ترتجفان.
ووضعها بصمت في الدرج ذاته الذي تحفظ فيه تقاريره الطبية.
الحياة إلى جوار المۏت.
منذ ذلك اليوم تغير القصر.
بدأ غراهام يترك الباب مفتوحا.
ينتظر خطواتها.
وللمرة الأولى منذ سنوات شعر بشيء يتحرك داخله
هش مخيف وحي.
تغير شيء خفي بعد ذلك الرسم.
لم يعلن غراهام التغيير ولم يعترف به لنفسه حتى
لكنه توقف عن إغلاق باب مكتبه.
بدأ يترك وعاء فاكهة على زاوية مكتبه
فراولة عنب أشياء صغيرة حلوة تحبها ميا.
وحين يسمع خطواتها في الممر لم يعد يتوتر.
كان ينتظر.
ازدادت ميا جرأة.
تجلس متربعة على السجاد تدندن وهي تلون.
تطرح أسئلة تتجاوز دفاعاته
لماذا بيتك كبير هكذا
لماذا لا توجد صور على الجدران
لماذا لا تبتسم
كان يجيب عن بعض منها ويتفادى أخرى
لكنه لم يقل لها يوما أن ترحل.
وكان ذلك وحده اعترافا.
في إحدى الأمسيات جذبت طرف كمه بينما كانت لينا تطوي الغسيل قربهما.
هل تتعشى وحدك كل يوم سألت.
أومأ غراهام.
هذا حزين قالت ميا لا اتهاما بل تقرير حقيقة.
ظلت الكلمة معلقة بينهما.
وفي تلك الليلة دون تخطيط وجد غراهام نفسه جالسا إلى المائدة مع لينا وميا.
لا أدوات فضة ولا صمت هش
بل أرز وفاصولياء وصوت قدمي طفلة تتأرجحان تحت الكرسي.
وأثناء الطعام نظرت إليه ميا وفمها ممتلئ.
كنت تختار العمل دائما قالت