رواية كامله


أعلم حتى سألتني لماذا أنا حزين.
لم تفهم ميا كل الكلمات لكنها فهمت المعنى.
ضمت الورقة إلى صدرها وهمست بصورة له
تصبح على خير.
كانت الصورة الوحيدة التي يبتسم فيها على سجيته بلا حراسة حيا.
مضت الحياة ببطء ونقص.
وبعد عامين افتتحت لينا مقهى صغيرا غير بعيد عن القصر القديم.
سمته الجمرة
لأن غراهام قال مرة إن أصغر شعلة قادرة على تدفئة إنسان.
كانت ميا تساعد في تنظيف الطاولات بعد المدرسة
وتقول بفخر للزبائن
أبي علمني أن أكون شجاعة.
وفي زاوية هادئة من المقهى علق ذلك الرسم ذاته
البيت المائل والأشخاص الثلاثة متشابكي الأيدي
مؤطرا كتحفة فنية.
كان غراهام قد بنى مستشفيات وثروة وإمبراطورية.
لكن إرثه الأعظم كان أبسط بكثير وأكثر هشاشة
أربعة أشهر من الحب
طفلة شعرت بأنها مختارة
وامرأة تعلمت أن العائلة قد تأتي بلا سابق إنذار.
تترك القصة سؤالا ينبض في الصمت
كم منا يؤجل اختيار الحب إلى يوم ما
بينما كل ما نحتاجه هو أن نكون حاضرين الآن
لم يأت الدرس الذي تركه غراهام على هيئة نصيحة أو تحذير
بل عاش بهدوء في الأرواح التي لمسها.
في الطريقة التي لم تعد لينا تعتذر فيها عن شغل الحيز
وفي الطريقة التي تنام بها ميا كل ليلة وهي تعلم أنها كانت مختارة لا متروكة.
لم تكن قصة غراهام عن المۏت
بل عن الاستيقاظ.
طوال معظم حياته ظن أن المعنى شيء يكتسب لاحقا
بعد أن تستقر الشركة
بعد الصفقة التالية
بعد أن يهدأ النجاح أخيرا.
لكن الحياة لا تنتظر فراغ التقويم.
إنها تنتظر الشجاعة.
والشجاعة التي تعلمهامتأخرا وفي الوقت المناسب
هي اختيار الناس على الكبرياء
والحضور على التحصن
والحب على السيطرة.
لم يكن لديه عقود ليغير
كان لديه أشهر.
ومع ذلك كانت تلك الأشهر كافية لإعادة كتابة حياة كاملة
وكافية لإثبات أن الحب لا يقيس الزمن بالسنوات
بل باللحظات المعيشة كاملة.
يد تمسك في غرفة مستشفى
ضحكات على أرجوحة في حديقة
وطفلة تناديك أبي بلا تردد.
بنى غراهام يوما مستشفيات أنقذت آلاف الغرباء
لكن في النهاية
كانت طفلة في الثالثة من عمرها هي التي أنقذته.
لا بالدواء
ولا بالمعجزات
بل بسؤال بسيط اخترق عمرا كاملا من الضجيج
لماذا أنت حزين
ذلك السؤال يبقى لنا جميعا.
كم عشاء نتناوله شاردين ننتظر مستقبلا لا يأتي
كم عناقا نؤجله لأننا مشغولون
كم فرصة تواصل نضيعها ظانين أن الوقت لا يزال واسعا
تذكرنا حياة غراهام بحقيقة هادئة ننساها كثيرا
الحب لا يحتاج إلى كمال
ولا ينتظر إذنا
ولا يتأخر.
إنه يأتي حين نتوقف أخيرا عن الركض
ونختار أن نجلس إلى المائدة
وننظر إلى إنسان آخر
ونبقى.