رواية الطاووس الأبيض بقلم منال سالم الفصل المائة وثلاثة

الفصل المائة وثلاثة
حز في قلبه بشدة أن يراها تتألم وهو يقف كالعاجز لا يقوى على تقديم أدنى مساعدة لها ينعم بحريته وهي حبيسة أربعة جدران. رفض الطبيب المتابع لحالتها العقلية السماح ل هيثم بزيارة والدته رغم تردده على المشفى لأكثر من مرة لكون الأخيرة بحاجة للبقاء معزولة عن الآخرين لفترة من الزمن حتى لا تعرض غيرها للضرر بسبب تصرفاتها غير المتوقعة. عاد إلى منزله مجرجرا أذيال الخيبة ورائه بالكاد يمسح دمعاته الهاربة من طرفيه استقبلته زوجته بكل حنو وود حاولت تهوين الأمر عليه واحتواء أحزانه المتمكنة منه بعاطفتها الجياشة. 
مال هيثم برأسه على كتفها وانتحب يشكو لها ما يضمر في صدره
صعبانة عليا أوي يا همسة.
مدت يدها لتمسح برفق على ذقنه النابتة بحركة متكررة بينما استمر في استرساله المليء بالأسى
كل ما أروحلها يمنعوني من الزيارة بيقولوا حالتها ماتسمحش تستقبل حد.
حاوطته بذراعها من كتفه وقالت كنوع من المواساة
إنت عملت اللي عليك وزيادة.
بدا في حالة بائسة للغاية عندما أخبرها
أنا مش عايزها تفتكر إني رميتها.
ردت مصححة له بصوتها الهادئ
مين قال كده إنت فكرت في اللي فيه مصلحتها اللي يفيدها مش يضرها وأكيد لو كانت أذت حد تاني مكونتش هتسامح نفسك.
أبعد رأسه عن كتفها وتطلع إليه بعينيه التعيستين متسائلا
تفتكري هي مسمحاني على ده
ردت بابتسامة ناعمة علها تطمئن قلبه الملتاع ألما عليها
أي أم بتسامح ولادها مهما عملوا.
حاولت الحفاظ على عذوبة بسمتها وهي تضيف
وبعدين بكرة تبقى أب ونشوف هتعمل إيه مع ولادك.
بادلها ابتسامة باهتة وهو يقول لها
همسة أنا مش عارف أقولك إيه..
رمشت بعينيها في اهتمام وقد رأت الصدق بازغا في نظراته نحوها. تنهد مكملا على مهل كأنما يجدد اعترافه النادم لها
إنتي أكتر حد وقف جمبي في كل أزماتي أنا مكونتش البني آدم العدل بالعكس ياما عملت مصايب وكوارث كنت ماشي بدماغي باستسهل عمايل الغلط وحتى خطوبتي منك مكانتش وقتها برضايا.
قابلت كلامه بعبارات ذات مغزى عنت له الكثير
ساعات الخير بيبقى موجود جوا الشړ بس مستنينا نفتش عنه وإنت كان جواك الخير ده والحمد لله لاقيته.
أقبل عليها يحتضنها وهو يعلق في حبور شديد
إنتي الخير كله يا حبيبتي.
كفكف العالق من دموعه وتابع داعيا المولى
ربنا يخليكي ليا ويقدرني أعملك كل حاجة بحلال ربنا.
ضمته إليها مستشعرة ثقله على صدرها وقالت مؤمنة على دعوته
حبيبي ربنا ما يحرمني منك.
نثبت على كده يا أوستاذة
تساءل المقاول الواقف على يسارها بتلك العبارة المهتمة وهو يوجه تعليماته بيده للعاملين الواقفين على سلمين خشبيين متقابلين ليتمكنا من وضع اللافتة الجديدة في المنتصف بالضبط أعلى مدخل الدكان بعد توضيبه. أمعنت فيروزة النظر فيها قارئة بهمس بالكاد تحرر من بين شفتيها
محل الفيروزة لتغليف الهدايا وتجهيز لوازم السبوع والمناسبات.
اعتلى ثغرها بسمة فرحة وأخبرته بإيماءة موافقة من رأسها
أه تمام كده...
ثم التفتت ناظرة إليه وتابعت تبريرها
أصلها في الأول كانت معوجة شوية.
علق بنبرة عادية
اللي تؤمري بيه خدامك.
شكرته على سعة صدره وصبره الطويل معها فقالت
الله يكرمك يا رب.
وجه من جديد تعليماته للعاملين
ثبتوا اليافطة على كده.
رد أحدهما بامتثال وهو يرفع الشاكوش للأعلى
حاضر يا ريس.
في تلك الأثناء كان الشوق يستحثه للذهاب إليها ليتأكد مما رأه قبل يومين فلم تكن كعادتها تطرح غطاء الرأس على رأسها بل كان تلك المرة معقودا يلف وجهها كجوهرة ثمينة جاهد بعزم من حديد ليرجأ ما يطلبه القلب ولكن كلما قاوم أكثر كلما ازدادت