رواية جديدة

لم تكن أوليفيا من النساء اللواتي يؤمن بأن الحياة تنذر قبل أن تنقلب.
كانت ترى نفسها امرأة عادية تعيش زواجا عاديا لا يخلو من الفتور ولا يخلو من الاستقرار. كانت تؤمن أن العلاقات الطويلة تمر بمواسم صمت وأن الحب لا يقاس بعدد الكلمات بل بالاعتياد الآمن على وجود الآخر.
لهذا لم تنتبه في البداية.
في الصباحات الأولى حين بدأ دانيال يتأخر قليلا عن مائدة الإفطار بررت الأمر بالإرهاق.
وحين صار هاتفه لا يفارق يده أقنعت نفسها أن العمل يضغط عليه.
حتى تلك الابتسامة الخفيفة الغريبة التي كانت تلمحها أحيانا على وجهه وهو يحدق في الشاشة قالت في سرها إنها ابتسامة رجل وجد أخيرا صفقة ناجحة.
كانت أوليفيا تعد الإفطار في ذلك الصباح حين لاحظت أنه لم ينظر إليها مرة واحدة.
كانت رائحة القهوة تملأ المطبخ وصوت المقلاة يقطع الصمت لكن دانيال كان غائبا حاضرا بجسده فقط.
قالت بنبرة حاولت أن تجعلها عابرة
هل ستعود متأخرا الليلة أيضا
رفع رأسه سريعا كأنه أخرج من عالم آخر
ربما اجتماع مفاجئ.
لم تكن الإجابة بحد ذاتها مقلقة لكن طريقة قوله لها كانت.
كان صوته خاليا من التفاصيل من الشرح من تلك الرغبة القديمة في أن يطمئنها.
جلست قبالته تراقب أصابعه وهي تمرر الهاتف إلى جيبه.
قالت بهدوء أكبر
هل كل شيء بخير
ابتسم.
ابتسامة قصيرة محسوبة.
بالطبع. لماذا تسألين
لم تجب.
لكن قلبها فعل.
مرت الأيام وبدأت المسافة بينهما تكبر دون صوت.
لم يعد يسألها عن عملها في رسم كتب الأطفال ولم يعد يشاركها خططه. حتى صمته لم يكن صمت تعب بل صمت رجل يحتفظ بشيء لا يريد أن يراه أحد.
كانت هاربر ما تزال تدخل بيتهما كما كانت دائما.
صديقة الجامعة الشاهدة على زفافهما المرأة التي عرفت أسرار أوليفيا كلها. كانت تجلس على الأريكة تضحك تشرب القهوة وتتبادل مع دانيال أحاديث بدت لأوليفيا مريحة أكثر من اللازم.
لم يخطر ببالها الاحتمال الأسوأ.
الخېانة في ذهنها شيء يحدث للآخرين.
حتى جاء المساء الذي غير كل شيء.
كانت وحدها في المنزل حين اهتز هاتفها برسالة من رقم لا تعرفه.
جملة واحدة فقط
تحققي من مقهى شارع سيفنث أفينيو. الليلة. الساعة الثامنة.
ظنت في البداية أنها مزحة أو رسالة أرسلت بالخطأ.
لكن شيئا في صدرها انقبض.
ذلك الشعور الغامض الذي لا يسمى لكن لا يخطئ.
حاولت أن تتجاهلها.
ثم عادت وقرأت الرسالة مرة أخرى.
ثم مرة ثالثة.
في السابعة وخمسين دقيقة كانت تقف أمام المقهى.
لم تدخل.
وقفت خلف الزجاج.
رأتهما فورا.
لم تحتج إلى وقت لتفهم.
كان دانيال يجلس قبالة هاربر ويده فوق يدها كأن هذا المكان وهذه اللحظة حق مكتسب. كانا قريبين أكثر مما يكون الصديقان. يضحكان يميل أحدهما نحو الآخر يتبادلان كلمات لا يسمعها أحد.
توقف الزمن.
شعرت أوليفيا أن الهواء انسحب من صدرها.
لم تبك.
لم تصرخ.
فقط وقفت تشاهد المشهد كأنه لا يخصها ثم أدركت أنه يخصها أكثر من أي شيء آخر.
دخلت.
صوت الجرس فوق الباب أعلن حضورها لكنهما لم يلتفتا فورا.
حتى رفعت صوتها وقالت
دانيال.
رفع رأسه.
تجمد.
هاربر سحبت يدها ببطء لكن الأوان كان قد فات.
قالت أوليفيا بصوت ثابت أدهشها هي نفسها
كم من الوقت
لم يحاول الإنكار.
لم يقل إنها تسيء الفهم.
قال فقط
كان يجب أن أخبرك.
ضحكت ضحكة قصيرة بلا فرح.
هذا ليس جوابا.
تدخلت هاربر بنبرة بدت باردة أكثر مما ينبغي
الأمر لم يكن مخططا له.
التفتت أوليفيا إليها.
وأنت منذ متى
صمتت هاربر لحظة ثم قالت
منذ أن فهمني.
حين عادوا إلى المنزل تلك الليلة كان كل شيء قد انتهى.
جلس دانيال على الأريكة وقال جملته الأخيرة كزوج
هاربر تفهمني بطريقة لم تفعلينها يوما.
لم تتوسل.
لم تتشبث.
طلبت الطلاق.
بعدها بدأ كل شيء ينهار ببطء.
خرج دانيال من حياتها كما خرج من الغرفة بهدوء دون نظر