رواية جديدة


أيدي أطفالها واستدارت.
خرجت كما دخلت
مستقيمة الظهر ثابتة الخطى.
خلفها عاد الهمس لكنه لم يكن كما قبل.
صار أثقل أكثر وعيا.
في السيارة جلس الأطفال هادئين على غير العادة.
سألها أحدهم
لماذا كان الجميع ينظر إلينا يا أمي
ابتسمت ونظرت عبر النافذة
لأن الحقيقة أحيانا تفاجئ الناس.
عادت إلى بيتها في المساء.
خلعت حذاءها بدلت ملابس الأطفال وأعدت العشاء.
كل شيء بدا عاديا لكنها كانت تشعر بشيء مختلف في داخلها.
لم تعد تحمل أي سؤال بلا جواب.
لم تعد تنتظر اعتذارا ولا اعترافا.
في تلك الليلة بعدما نام الأطفال جلست وحدها وأغمضت عينيها.
لم تفكر في دانيال.
لم تفكر في هاربر.
فكرت في نفسها
وفي الطريق الطويل الذي قطعته دون أن تنتبه.
في الأيام التي تلت الزفاف لم يحدث شيء درامي كما قد يتوقعه الناس.
لم تتلق أوليفيا اتصالا ولم يصلها اعتذار ولم يظهر دانيال عند بابها محملا بالندم.
والحقيقة أنها لم تنتظر شيئا من ذلك.
استيقظت في اليوم التالي كعادتها.
حضرت الإفطار أيقظت أطفالها بدلت ملابسهم وبدأت يوما جديدا يشبه الذي سبقه.
لكنها في أعماقها كانت تشعر بخفة لم تعرفها من قبل.
كأن ثقلا قديما ظل معلقا في صدرها سنوات سقط أخيرا دون صوت.
لم تعد تسترجع المشهد في القاعة.
لم تعد تعيد الكلمات في رأسها.
لم تعد تسأل نفسها ماذا رأى دانيال أو ماذا شعر.
ذلك الفصل انتهى.
عادت إلى عملها تدريجيا.
عادت إلى الرسم لكن خطوطها تغيرت.
لم تعد ترسم الأطفال ببراءة مثالية فقط بل بقوة هادئة.
كانت شخصياتها في القصص تنهض بعد السقوط لا لأن أحدا أنقذها بل لأنها تعلمت كيف تقف.
لاحظ الناشرون ذلك.
لاحظ القراء.
بدأت كتبها تنتشر أكثر تترجم وتقرأ بصوت عال في غرف نوم صغيرة حيث أمهات يشبهنها كثيرا.
في إحدى الأمسيات وبينما كانت توقع كتبها في مكتبة محلية اقتربت منها امرأة شابة مترددة وقالت
قصتك جعلتني أؤمن أنني أستطيع البدء من جديد.
ابتسمت أوليفيا.
لم تخبرها بالتفاصيل.
لم تقل إنها كانت يوما في القاع.
قالت فقط
كلنا نستطيع حين نكف عن انتظار أن ينقذنا أحد.
كبر الأطفال.
صار لكل واحد منهم صوته ومزاجه وفضوله الخاص.
كانت تراقبهم وهم يلعبون ويتشاجرون ثم يتصالحون بسرعة وتفكر أنهم ولدوا من فوضى لكنهم صنعوا نظاما خاصا بهم.
لم تكن أمومتها مثالية.
كانت تخطئ تتعب تبكي أحيانا في المطبخ حين ينامون.
لكنها لم تشك يوما في قرارها.
في إحدى الليالي جلس أحد أبنائها إلى جانبها وسألها فجأة
هل كنا سنولد لو لم يحدث كل ما حدث لك قبلنا
توقفت.
نظرت إليه طويلا.
ثم قالت
لا أعرف. لكني أعرف أن كل ما حدث قادني إليكم.
لم تكن تلك إجابة فلسفية بل حقيقة بسيطة.
أما دانيال فقد عاد إلى حياته المعتادة.
نجاح مناسبات أرقام.
لكن شيئا ما تغير فيه وإن لم يعترف بذلك لأحد.
رؤية أوليفيا كما رآها في ذلك اليوم تركت أثرا لم يستطع محوه.
لم تعد المرأة التي تركها.
ولا هو الرجل الذي كان.
لكن المسافة بينهما لم تعد مؤلمة.
صارت محايدة.
مرت السنوات وأصبحت قصة أوليفيا تروى أحيانا كحكاية عن خېانة وأحيانا كحكاية عن قوة.
لكنها بالنسبة لها لم تكن هذا ولا ذاك.
كانت حكاية اختيار.
اختارت ألا تعرف نفسها بما فعل بها.
اختارت ألا تجعل الألم عنوانا دائما.
اختارت أن تمضي لا لتثبت شيئا لأحد بل لتحيا بصدق.
في مساء هادئ جلست على الأريكة والأطفال الأربعة حولها كل منهم منشغل بعالمه الصغير.
أغلقت الكتاب الذي كانت تقرؤه ونظرت إليهم وشعرت بالامتنان.
لم تكن حياتها سهلة.
لم تكن مثالية.
لكنها كانت حقيقية.
وحين أطفأت الأنوار تلك الليلة لم تفكر في الماضي ولا في الخېانة ولا في الزفاف.
فكرت فقط في الغد وفي الإفطار وفي الرسمة التي ستكملها وفي الأصوات الصغيرة التي ستوقظها باكرا.
وهذا في نظرها كان كافيا.
لم تحصل أوليفيا على نهاية تشبه
القصص الخيالية.
لكنها حصلت على شيء أصدق
نفسها كاملة.