رواية جديدة


حين سمعت الصړخة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة شعرت أن قلبها اتسع على نحو لم تتخيله.
أربعة أطفال.
ولدان وبنتان.
حملتهم واحدا واحدا.
عدتهم مرارا.
وقالت لنفسها وهي نصف واعية
نجونا.
الأسابيع الأولى كانت فوضى كاملة.
رضاعات بكاء متداخل ليال بلا نوم.
كانت تنهض وتنام وهي تحمل طفلا ثم آخر ثم آخر.
لم يكن هناك وقت للحزن ولا للتفكير بالماضي.
كانت متعبة لكنها حية.
بدأت حياتها تأخذ شكلا جديدا.
تركت العمل مؤقتا ركزت على أطفالها تعلمت أن تقسم نفسها أربع مرات دون أن تختفي.
وكان كل وجه صغير ينظر إليها بعينين واسعتين يعلمها معنى الصبر.
بعد عامين كانت أوليفيا امرأة أخرى.
أقل هشاشة أكثر حضورا.
وفي صباح هادئ بينما كانت تطعم أحد أطفالها سمعت صوت ساعي البريد.
ظرف عاجي اللون.
فتحته.
دعوة زفاف.
اسم دانيال.
اسم هاربر.
جلست تنظر إلى الورقة طويلا.
لم تشعر بالڠضب.
لم تشعر بالحزن.
شعرت بشيء آخر.
الهدوء.
وضعت الدعوة على الطاولة ونظرت إلى أطفالها وهم يلعبون.
ثم قالت بهدوء تام
حسنا.
لم تكن تعلم بعد كيف
لكنها عرفت أنها ستذهب.
لم يكن قرار الذهاب إلى الزفاف اندفاعا ولا رغبة في استعراض أو اڼتقام.
كان في أعماقه فعل تصالح.
تصالح مع الماضي ومع الذات التي خرجت منه حية رغم كل شيء.
في الأيام التي سبقت الزفاف لم تفكر أوليفيا كثيرا في دانيال ولا في هاربر. كانت منشغلة بتفاصيل أخرى مقاسات الملابس الأربعة مواعيد النوم ترتيب الحقائب الصغيرة وتدريب الأطفالبطريقتها الهادئةعلى البقاء قربها في مكان مزدحم.
اختارت فستانها بعناية.
لم يكن أبيض ولم يكن أسود.
كان بلون الياقوت عميقا ثابتا لا يطلب الضوء بل يعكسه.
حين نظرت إلى المرآة لم تر امرأة مهجورة بل امرأة تعرف تماما من تكون.
في صباح يوم الزفاف استيقظت مبكرا.
البيت كان صاخبا كعادته لكن الصخب كان مألوفا مطمئنا.
أطعمت الأطفال ألبستهم ضحكت حين اختلف اثنان على حذاء واحد ثم جلست لحظة على الأريكة تراقبهم.
قالت لنفسها
أنا مستعدة.
القاعة كانت كما توقعت.
واسعة فاخرة مغمورة بالضوء والبلور.
الضيوف توافدوا بأناقة محسوبة والهمسات تدور حول العريس الناجح والعروس الواثقة.
هاربر كانت في الداخل ترتدي فستانا من الدانتيل واللؤلؤ تبتسم لكل من يمر كأن العالم منحها ما تستحق.
ودانيال كان دانيال كما كان دائما في المناسبات الكبرى واثقا مرتبا متماسكا.
لم يكونا ينتظران شيئا.
حتى توقفت الليموزين البيضاء أمام المدخل.
خرج السائق أولا فتح الباب ثم نزلت أوليفيا.
توقف الكلام عند المدخل.
لم يكن الصمت فجائيا بل زحف ببطء كما لو أن القاعة كلها حبست أنفاسها في آن واحد.
كانت تمشي بثبات.
لا تسرع ولا تتباطأ.
الأطفال الأربعة إلى جانبها يمسكون بيديها ينظرون حولهم بفضول غير مدركين ثقل اللحظة.
همس أحدهم
هل هذه
وقال آخر
لا يمكن
حتى المصور الذي اعتاد المفاجآت أنزل الكاميرا قليلا.
دخلت أوليفيا القاعة.
لم تبحث عن مقعد في الخلف.
سارت في الممر بخطوات هادئة وكأن المكانبكل ما فيهلم يعد مخيفا.
رفع دانيال رأسه.
في اللحظة الأولى لم يتعرف عليها.
ثم اتسعت عيناه.
كانت مختلفة عما حفظه في ذاكرته أقوى أكثر امتلاء أكثر حضورا.
وعندما رأى الأطفال تغير وجهه.
لم يقل شيئا.
لم يستطع.
هاربر لاحظت الارتباك.
التفتت ورأت ما رآه الجميع.
وتصلبت ابتسامتها.
اقتربت أوليفيا من الصفوف الأمامية.
انحنت قليلا عدلت ربطة شعر إحدى بناتها مسحت خد أحد ولديها ثم رفعت رأسها ونظرت مباشرة إلى دانيال.
قالت بصوت واضح بلا حدة
مبارك.
توقفت القاعة عن التنفس.
ثم أضافت بنفس الهدوء
أردت أن تتعرف إلى عائلتي.
لم تكن الكلمات طويلة لكن معناها كان ثقيلا.
أربعة أطفال.
أربعة أعوام من حياة لم يكن جزءا منها.
فتح دانيال فمه.
أغلقه.
لم يجد ما يقال.
لم يكن هناك انتصار صاخب ولا دموع ولا مشهد مسرحي.
كان هناك فقط إدراك متأخر.
نظرات الضيوف تنقلت بينها وبينه.
بعضها إعجاب بعضها دهشة وبعضها شفقة لكن أوليفيا لم تأخذ شيئا منها.
لم تطل الوقوف.
لم تأت لتثبت شيئا لأحد.
أمسكت