أعطاها معطفه في ليلة عيد الميلاد

كان لعيد الميلاد دائما ثقل خاص عندي.
لا ذلك الثقل المبهج لم يعد كذلك منذ زمن بل ذاك الثقل الصامت المؤلم الذي يضغط على صدرك حين يبدو العالم من حولك صاخبا بسعادة لم تعد تخصك.
قبل خمس سنوات فقدت زوجتي إليانور. كانت من النساء اللواتي يصنعن سحر عيد الميلاد دون تكلف ټحرق البسكويت ثم تضحك تنشد الترانيم بنشاز لطيف وتخبئ ملاحظات مكتوبة بخط يدها في الجيوب. حين ماټت لم يختف العيد. لقد بقي لكنه تغير. صار مرآة تعكس كل ما فقدته.
أبلغ الآن السادسة والأربعين. لا أطفال. لا موائد عائلية. مجرد ذكريات ووحدة رتبتها بعناية وتعلمت كيف أعيش معها.
في تلك الليلة من ليلة عيد الميلاد بعد ثلاث سنوات من رحيلها كنت أسير عائدا من متجر البقالة وأكياس التسوق تقطع في أصابعي من شدة ثقلها. كان الثلج يتساقط بهدوء ذلك النوع الذي يبدو جميلا من خلف النوافذ لكنه يلسع الجلد حين يلامسه. كنت أشعر بالبرد وبالإرهاق وأعد خطواتي حتى أصل إلى باب بيتي.
عندها رأيتها.
كانت جالسة قرب واجهة متجر مغلق كتفاها منحنيتين ومعطفها أرق بكثير مما تحتمله تلك الليلة. شعرها أشعث ويداها حمراوان ترتجفان لكن ما أوقفني تماما كان عينيها.
كانتا عيني إليانور.
ليس في اللون ولا في الشكل بل في التعبير. الكرامة الصامتة نفسها. ذلك الحزن الذي لا يتسول ولا يطالب بل يوجد فحسب.
بدت في نحو الأربعين من عمرها. وكان واضحا أن الحياة لم تكن رحيمة بها.
لا أذكر أنني اتخذت قرارا واعيا. جسدي تحرك قبل أن يلحق به عقلي.
وضعت الأكياس على الأرض وسألتها إن كانت جائعة.
أومأت برأسها بتردد كأنها لم تتعلم بعد كيف تثق باللطف.
ناولتها أحد أكياس البقالة. ثم دون تفكير نزعت معطفيذلك الدافئ الذي اشترته لي إليانور قبل سنواتووضعته على كتفيها.
قالت همسا في البداية
لا لا أستطيع
قلت
تستطيعين. من فضلك.
ارتجفت يداها وهي تضم المعطف حولها. تجمعت الدموع في عينيها وانحدرت على خديها وهي تهمس بالشكر مرارا وتكرارا. لم يكن شكرا صاخبا ولا استعراضيا بل شكر من شخص لم يعتد أن يرى.
وقبل أن أغادر كتبت عنواني ورقم هاتفي على قصاصة ورق.
قلت
إن احتجت مساعدة يوما.
نظرت إلى الورقة كما لو كانت شيئا هشا مقدسا.
عدت إلى البيت أبرد مما كنت قبل ذلك لكنني شعرت بخفة لم أعرفها منذ سنوات.
ثم مضت الحياة.
تحولت الأيام إلى أشهر والأشهر إلى سنوات.
كنت أحيانا أفكر فيها. أتساءل إن كانت دافئة إن كانت قد أكلت إن كان معطفي ما يزال في مكان ما يقي إنسانا من البرد.
لكن أعياد الميلاد كانت تأتي وتمضي كما تفعل دائما.
إلى أن مرت ثلاث سنوات.
وكانت ليلة عيد الميلاد من جديد.
كنت قد سكبت لنفسي كوبا من الشاي والبيت ساكن إلا من أزيز المدفأة حين رن جرس الباب.
لا أحد يزورني عادة.
ظننت في البداية أن الأمر مجرد