أعطاها معطفه في ليلة عيد الميلاد


تبتسم ابتسامة هادئة لا تحمل شفقة ولا ادعاء بل امتنانا ناضجا تشكل عبر الألم
لثلاث سنوات حملت معطفك. لا على جسدي فقط بل في قلبي. كان يرافقني في أيام البرد وفي أيام الخۏف وفي اللحظات التي كنت أشك فيها بنفسي وبالعالم. كان يذكرني في كل مرة بأن الخير حقيقي وأن الإنسان قد ينقذ أحيانا بلحظة انتباه واحدة بلحظة يرى فيها شخص آخر آلامه دون أن يدير وجهه. والآن في كل شتاء ذلك المعطفرمزيالا يزال موجودا لا يزال يدفئ آخرين غيري.
غشت الدموع بصري تماما ولم أعد أرى الغرفة بوضوح. الجدران الطاولة الضوء الخاڤت كلها تلاشت خلف ستار كثيف من المشاعر المتراكمة التي لم أسمح لنفسي بمواجهتها منذ سنوات وكأن هذا اللقاء فتح بابا ظل موصدا طويلا.
جلسنا هناك طويلا دون عجلة ودون حاجة إلى كثير من الكلام. الصمت بيننا لم يكن فراغا بل امتلاء كثيفا بالمعنى. كان صمت شخصين كانا مكسورين في وقت ما التقيا عند فعل لطف واحد بسيط ثم افترقا ليكتشفا بعد سنوات أن ذلك الفعل الصغير لم يكن عابرا كما ظنا بل نسج بينهما خيطا خفيا خيطا قويا امتد عبر الزمن لم يدرك أي منا حينها مدى تأثيره ولا عمق امتداده.
وحين نهضت لتغادر تلك الليلة اقتربت مني وعانقتنيلا كمن يطلب شيئا ولا كمن يرد جميلا بدافع الواجب أو الامتنان العابر بل كند لند كإنسان لإنسان يلتقيان أخيرا على أرضية واحدة من الفهم والتجربة والنجاة.
أغلق الباب خلفها بهدوء لكن ابتسامتها لم تغادر المكان. بقيت معلقة في الهواء كأنها جزء من البيت نفسه جزء من دفئه الذي افتقدته طويلا وقطعة من روحي التي ظننتها ضاعت.
وللمرة الأولى منذ ۏفاة إليانور لم يشعرني عيد الميلاد بالخسارة وحدها ولا بالفراغ ولا بالحنين المؤلم الذي كان يرافقه دائما.
بل بالغاية.
أدركت أخيرا أن اللطف لا يختفي أبدا. قد يتأخر قد يتغير شكله وقد يسلك طرقا لا نتوقعها لكنه يعود.
وأحيانا يعود إلينا حاملا حقيبة رمادية وابتسامة لا تنسى ورسالة صامتة تقول إن ما نفعله في لحظة عابرة دون تخطيط أو انتظار مقابل قد يغير حياة كاملة وربمادون أن نشعريعيد تشكيل حياتنا نحن أيضا من جديد.