رواية جديدة

فقط طلبت عملا لتطعم أبناءها العالقين على جانب الطريق. لكن الرجل الذي وقف أمامها قدم لها عرضا لم يخطر ببالها قط.
الاختيار بين الغبار والجوع كان كفيلا بأن يغير مستقبلها كله.
كانت إميلي كارتر قد أمضت ساعات طويلة وهي تنتظر عند مقطع مهجور من طريق سريع بين الولايات حيث كانت كل مركبة تمر تثير سحبا من الغبار لكنها لا تبطئ سرعتها أبدا.
كان حر العصر قد خف قليلا لكنه ما زال يضغط على الإسفلت فيشوه الهواء ويطيل الزمن حتى صار كل دقيقة أثقل من سابقتها. لم يكن حولها شيء صمت وحر وانتظار.
عند قدميها كانت حقيبتان مهترئتان بحواف متآكلة وكيس ملابس مطوي على عجل وعلبة طعام فارغة لم تعد تعد بشيء. في جيبها كانت آخر عملاتها المعدنية ترن بقسۏة بالكاد تكفي لبطاقتي حافلة وربما رغيف خبز صغير يقسم بين ثلاثة أشخاص.
ماما هل ستأتي الحافلة قريبا سأل نوح كارتر ذو الأعوام الثمانية بصوت جاف ومتعب.
أما صوفيا كارتر ذات الخمسة أعوام فقد اتكأت على الحقيبة وعبست.
أنا جائعة
ابتلعت إميلي ريقها بصعوبة وابتسمت رغم ذلك. كانت قد أتقنت تلك الابتسامة ابتسامة تخفي الذعر وتحول الخۏف إلى طمأنينة.
قريبا يا حبيبتي. فقط قليلا بعد.
لكن الحقيقة كانت قاسېة لا ترحم. الحافلة لم تأت. لم تأت بالأمس. ولا قبل أمس. والمرأة صاحبة النزلالتي ابتسمت لها بلطف وقالت لها انتظري هنا فالحافلات تمر دائماكانت قد باعتها الأمل كما لو كان تذكرة حقيقية.
ثم انكسر الصمت بصوت مختلف.
لم يكن خشخشة محرك شاحنة قديمة بل أزيزا منخفضا ناعما لسيارة فاخرة.
توقفت سيارة سيدان سوداء ودار الغبار حول عجلاتها. سعلت إميلي وبحركة غريزية أحاطت صوفيا بذراعها فيما انخفض الزجاج.
نظر إليهم رجل ببدلة داكنة مكوية بإتقان لا شفقة في نظرته ولا تعال بل انتباه مركز وقلق محكوم بعناية.
هل تحتاجون إلى مساعدة سأل بهدوء.
تراجعت إميلي خطوة وجذبت طفليها إليها.
شكرا يا سيدي. نحن ننتظر الحافلة.
نظر الرجل إلى الطريق الخالي ثم إلى الأمتعة ثم إليها.
منذ ثلاثة أيام لا تمر حافلات على هذا المسار قال بصوت هادئ. الشركة أغلقت. أفلست.
كانت الكلمات كأنها اڼهيار.
ماذا همست إميلي. ونظرت إلى طفليها اللذين يثقان بها تماما. لم أكن أعلم
فتح الرجل الباب وخرج. كان طويل القامة في منتصف الأربعينيات متزنا يحمل سلطة هادئة لمن اعتاد أن يسمع له.
اسمي جوناثان ريفز قال وهو يمد يده.
ترددت إميلي ثم صافحته.
إميلي كارتر. وهذان نوح وصوفيا.
نظر جوناثان إلى الطفلين ولان شيء في ملامحه.
كم كنتم تنوون الانتظار هنا سأل.
أخرجت إميلي زفيرا بطيئا. كان الكبرياء يضغط على صدرها لكن الجوع كان أبلغ.
سيدي هل يوجد عمل قريب سألت بصوت خاڤت. أي شيء. أنظف أطبخ أعتني بالأطفال. أتعلم بسرعة.
لم يجب جوناثان فورا. لم يكن صمتا محرجا بل قرارا يتخذه.
نعم قال أخيرا. يوجد.
تلألأ الأمل في عيني إميلي.
أي نوع من العمل
نظر إليها جوناثان مباشرة.
أعرض عليك منصبا زوجتي.
تجمدت إميلي في مكانها عاجزة عن التمييز بين قسۏة متنكرة في هيئة لطف أو آخر شريان بقاء لأطفالها.
هل تقبلين عرضا كهذا حين لا يبقى لديك شيء لتخسريه
الجواب سيغير حياتها إلى الأبد.
لم تجب إميلي على الفور.
كلمات الرجلأعرض عليك منصبا زوجتيلم تكن مفاجئة فحسب كانت مستحيلة الاستيعاب.
لبضع ثوان صار الصمت كثيفا كحرارة الإسفلت. نظر نوح إليها بعينين متسعتين أما صوفيا غير الفاهمة تماما فشدت يد أمها فقط.
ابتلعت إميلي ريقها.
سيد ريفز تمتمت محاولة استعادة صوتها. لا أفهم. هل هذه مزحة لأن إن كانت كذلك فهي غير مضحكة.
هز جوناثان رأسه برفق.
ليست مزحة أجاب بهدوء زاد الموقف غرابة.