عاد بثروةٍ ومحامٍ وانتزع الطفلين من جدتهما… لكن النهاية حسمها صوتٌ لم يحسب له حسابًا


الساحة وراءها.
كان الشيء الوحيد الذي بقي لها من ماريسول، وكانت الطفلة تعرف ذلك، حتى وإن لم يشرحه لها أحد.
أما سيباستيان فكان مختلفًا.
لم يكن يتحدث كثيرًا عن أمه، لكن كلما ذكر أحد كلمة أب، كان يصمت ويطبق على أسنانه.
ومع الوقت صار رجل البيت.
في الثامنة من عمره كان يحمل دلاء الماء من البئر.
وفي التاسعة كان يساعد في الزراعة.
وفي العاشرة كان يعرف أي نبتات الصبار قد حان وقت قطعها وأيها لم يحن.
كانت ماريا تنظر إليه وترى طفلًا يكبر أسرع مما ينبغي، طفلًا يحمل في صدره شيئًا لا يعرف كيف يسميه.
ومضت السنوات هكذا؛ بطيئة، قاسېة، لكنها تنطوي على سلام لم يعرفه ذلك البيت منذ أيام رودريغو.
ماريا، وسيباستيان، وفالنتينا، الثلاثة وحدهم بين جبال أواكساكا، يبنون حياة من القليل الذي يملكونه.
وكل ليلة، قبل النوم، كانت ماريا تجلس على المقعد الصغير عند الباب.
تنظر إلى الجبال المظلمة وتفكر في ابنتها.
كانت تخاطبها في صمت.
تقول لها إن الطفلين بخير، وإنهما يكبران قويين، وإنها لن تخذلها.
ست سنوات مرّت على هذا الحال.
كان سيباستيان قد بلغ الحادية عشرة، وفالنتينا العاشرة.
وكانت دونيا ماريا تظن أن الأسوأ قد صار وراءهم.
لا خبر من رودريغو ميندييتا، لا اتصال، لا رسالة، لا نقود.
ثماني سنوات لم يظهر فيها، حتى جاءت بعد ظهيرةٍ ارتفع فيها غبار الطريق مع صوت محرك لا ينتمي إلى تلك القرية.
كان سيباستيان أول من رآه.
كان يقطع أوراق الصبار في الحديقة حين سمع الصوت.
رفع رأسه ورأى الشاحنة السوداء تصعد في الطريق الترابي ببطء، كما لو أنها تبحث عن شيء.
مسح يديه في بنطاله وسار نحو الساحة، وقد ضيّق عينيه من شدة الشمس.
كانت فالنتينا جالسة على الأرض ترسم بعصا على التراب.
وكانت ماريا تفرط الذرة قرب الباب.
ولم تكن أي منهما قد رأت شيئًا بعد.
توقفت الشاحنة أمام البيت.
انطفأ المحرك، ونزل من جهة السائق رجل ببدلة داكنة وربطة عنق وحذاء لا ذرة غبار عليه.
ونزل من الجهة الأخرى رجل أقصر، يضع نظارات ويحمل حقيبة أوراق جلدية.
رفعت ماريا عينيها، وتوقف العالم.
ثماني سنوات.
ثماني سنوات من دون أن تراه، لكنها عرفته في الحال.
الفك المشدود نفسه.
العينان الباردتان نفسيهما.
اليدان نفسهما اللتان كانتا يومًا ما تقذفان الأشياء على الجدار في تلك الغرفة البائسة.
غير أن هاتين اليدين الآن كانتا تحملان ساعة تلمع وخاتمًا يساوي أكثر مما تكسبه ماريا في سنة كاملة.
سار رودريغو ميندييتا نحو الباب من غير أن يسلّم على أحد.
تأمل البيت من أعلاه إلى أسفله، وتأمل السقف المرقّع، والدجاجات الهزيلة، والحديقة المغبرة، ولوى فمه بإشارة قرف لم يحاول حتى أن يخفيها.
قال
جئتُ لآخذ أولادي.
لا صباح الخير، ولا سؤال عن حالهم، ولا نظرة إلى الطفلين اللذين كانا يراقبانه من غير أن يعرفاه.
نهضت ماريا عن المقعد.
كانت ساقاها ترتجفان، لكنها نهضت.
رودريغو، هذان الطفلان هنا منذ ثماني سنوات. أنت من تركتهما. أنت من رحلت. أنت حتى لم تأتِ إلى جنازة ماريسول.
لم يتأثر رودريغو.
قال
ماريسول ماټت. وأنا الأب. إنهما ابناي، وسآخذهما.
تقدم المحامي خطوة.
قال
سيدتي، السيد ميندييتا هو الأب القانوني لهذين القاصرين. وأنصحكِ بألا تعقّدي الأمور.
نظرت ماريا إليهما معًا، إلى المحامي بحقيبته وصوته البارد، وإلى رودريغو ببدلته واحتقاره.
وعرفت أنها لا تملك شيئًا تقاتل به.
لم يكن لديها محامٍ، ولا أوراق، ولا مال.
لم يكن لديها إلا اليدان اللتان ربّت بهما الطفلين، وحبّ لا يعني شيئًا في نظر القانون.
سار رودريغو نحو الساحة.
اختبأت فالنتينا خلف جدتها، تمسك بطرف تنورتها بكلتا يديها.
ووقف سيباستيان أمامهما بقبضتين مشدودتين وعينين ملأتهما ڠضبة جعلت شفته ترتجف.
قال سيباستيان لأبيه
من أنت؟
وخرج السؤال كأنه لكمة.
نظر إليه رودريغو بلا تعبير.
أنا أبوك. اصعد إلى الشاحنة.
قال سيباستيان بصوت مكسور
أنت لا شيء.
تجاهله رودريغو، واقترب من فالنتينا وأمسكها من ذراعها.
صړخت الطفلة، وضغطت على رداء أمها إلى صدرها، ومدّت ذراعيها نحو ماريا
جدّتي، لا أريد أن أذهب، جدّتي.
اندفعت ماريا نحوه، وشدت قميصه، وتوسلت إليه، ورجته بصوت متهشم
لا تأخذهما يا رودريغو، أرجوك، بحق أعز ما لديك، إنهما كل ما تبقّى لي.
استدار نحوها ونظر إليها بعيني من ينظر إلى شيء يثير فيه الشفقة، وقال الكلمات التي لن تنساها ماريا ما دامت حيّة
انظري إلى نفسكِ يا سيدتي. انظري إلى هذا البيت. هذا مزبلة. أولادي يبدون كالمتسوّلين. لقد دمّرتِ حياتهم بتربيتهم في هذا الفقر. أولادي لن يكبروا في هذا القذر.
نفض قميصه كما لو أن ماريا لوّثته.
حمل فالنتينا بذراع، وأمسك سيباستيان من معصمه، وجرّهما نحو الشاحنة.
كان سيباستيان يركل.
وكانت فالنتينا تبكي بصراخٍ حاد شقّ روح كل من سمعه في تلك القرية.
خرج الجيران من بيوتهم.
ركضت روزاريو حتى السور، لكنها بقيت هناك ممسكة بالسلك، لا تدري ماذا تفعل.
لم يكن أحد يعرف ماذا يفعل.
أب يملك المال والمحامي في مواجهة جدة فقيرة بلا أوراق.
سقطت ماريا على ركبتيها في التراب.
التراب نفسه الذي كانت تكنسه كل صباح.
التراب نفسه الذي كانت فالنتينا ترسم فيه الزهور.
التراب نفسه الذي تعلم فيه سيباستيان المشي.
انطلقت الشاحنة، وارتفع الغبار، وغطّى كل شيء.
وحين هدأ الغبار، لم يبق في الساحة إلا العصا التي كانت فالنتينا ترسم بها، والصمت.
بقيت دونيا ماريا على ركبتيها وقتًا طويلًا.
وكان على روزاريو أن تذهب لترفعها.
أدخلتها إلى البيت، وقدمت لها الماء، وكلمتها، لكن ماريا لم تجب.
كانت عيناها مفتوحتين، لكنها لم تكن هناك.
كانت في مكان ما داخل نفسها، حيث لا يترك لها الألم مجالًا للتفكير.
في تلك الليلة بدا البيت الطيني أكثر فراغًا من أي وقت مضى.
من دون ضحكات فالنتينا، ولا خطوات سيباستيان، ولا القصص قرب الموقد؛ لم يبق إلا الريح بين الجبال وجدّة تجلس في الظلام ويداها فوق ركبتيها وعيناها يابستان من كثرة البكاء.
وفي مكان ما على طريق يؤدي إلى مونتيري، داخل شاحنة سوداء تفوح منها رائحة الجلد الجديد، كان طفلان يبكيان في المقعد
الخلفي.
فالنتينا تضغط على رداء أمها.
وسيباستيان يطبق على أسنانه ويشد قبضتيه، وينظر من النافذة إلى الجبل الذي يصغر شيئًا فشيئًا.
ولم يلتفت أي منهما إلى الرجل الذي يقول إنه أبوهما.
كان قصر رودريغو ميندييتا في حي خاص في مونتيري.
طابقان، وحديقة بعشب مشذّب، ومرآب يتسع لثلاث سيارات، ونوافذ ضخمة، وباب خشبي يزن أكثر من بيت دونيا ماريا كله.
من الخارج بدا مكانًا يتمنى أي طفل أن يعيش فيه.
ومن الداخل كان سجنًا.
وصل سيباستيان وفالنتينا في تلك الليلة الأولى بعينين متورمتين وثياب ما يزال غبار الطريق عالقًا بها.
أشار لهما رودريغو إلى غرفة في الطابق الثاني فيها سريران منفصلان، وشراشف بيضاء، وتلفاز لم يعرف أي منهما كيف يشغله.
قال
هذه غرفتكما.
ثم انصرف.
لم يعانقهما، لم يسألهما إن كانا جائعين، لم يقل لهما تصبحان على خير.
دخل إلى مكتبه وأغلق الباب.
جلست فالنتينا على طرف السرير من غير أن تتحرك.
كانت تضغط على رداء ماريسول على وجهها، وتتنفس في القماش كما لو كانت تستطيع أن تشم فيه رائحة ماريسول، ورائحة البيت الطيني، ورائحة أقراص التورتيلا على صاج الجدة.
أما سيباستيان فاستلقى على السرير الآخر ينظر إلى السقف.
لم يبكِ.
أطبق على أسنانه وبقي هكذا، وقبضتاه مشدودتان فوق الشراشف، حتى غلبه النوم.
كانت الأيام في القصر طويلة وخالية.
كان رودريغو يخرج قبل أن يستيقظ الطفلان، ويعود بعدما يكونان قد ناما.
وأحيانًا لا يعود يومين أو ثلاثة.
رحلات عمل، كما كان يقول، من دون أن يخبر