رواية جديدة


واقفة على الأرض اللي كان عليها النادي. المباني القديمة اتشالت. ومكانها، صفوف من العمارات الجديدة المتشطبة. نضيفة ومنورة، متصممة لمسنين عاشوا عمرهم كله بيسمعوا إنهم مايقدروش يشتروا كرامتهم. مجمع الحاجة زينب، 120 وحدة، جنينة واسعة، مركز طبي، ومطعم كبير يقدروا ياكلوا فيه مع بعض، زي ما دايماً كنت مؤمنة إن اللقمة مكانها اللمة.
الحاجة زينب قصت الشريط. عيطت. وبنتها عيطت. ونص اللي واقفين عيطوا. أنا كنت واقفة ورا جنب مها، اللي شايلة وردة على وسطها. مها كانت لابسة جينز وجزمة شغل وچاكيت عليه لوجو المجمع. نسيت شنط الماركات والضوافر الأكريليك. كان شكلها تعبان، وحقيقي، وشبه البنت اللي أنا ربيتها.
إنتي بنيتي كل ده، مها قالتها بصوت واطي وهي بتبص للعيلات اللي داخلة بيوتها الجديدة. بنيتيه من طبيخ المدارس وتصليح المواسير.
بنيته من إني كنت بصحى أسعى كل يوم. هو ده البُنا.. إنك تسعى.
راجل في السبعينات عدى من جنبنا شايل كرتونة، هز راسه بابتسامة، هزيت راسي. ده هيسكن في شقة 47، سواق أتوبيس نقل عام على المعاش.
ماما؟ صوت مها كان رقيق.
نعم؟
أنا لسة بفكر في المفرش.. اللي خليت مازن يرميه.
عارفة. لسة معاكي؟
متعلق على الحيطة عندي في الشقة. عينيها دمعت. ينفع أخده عشان وردة؟
بصيت لبنتي، للست اللي اتكسفت مني، اللي سابت جوزها يهينني، اللي باعت أصولها عشان عضوية نادي. وبصيت للست اللي واقفة جنبي دلوقتي، بعد 8 شهور من أشقى شغل في حياتها، شايلة حتة عيلة متسمية على اسم طباخة!
لما تكوني جاهزة. قولت.
هزت راسها. وهعرف منين إني جاهزة؟
لما تبطلي تسألي.
الليلة دي رجعت شقتي في شبرا. نفس الشقة، نفس الإيجار، نفس الدوشة بتاعة القطر. كان مقدوري أشتري قصر أو شقة فخمة. أو عشرة. بس أنا اخترت المكان ده عشان بيفكرني أنا جيت منين، وإيه اللي بجد له قيمة.
على الحيطة فوق ترابيزة المطبخ، كان متعلق حاجتين المفرش ب ال 30 مربع بتوعه متبروزين في إزاز، وصورة ل حسين جوزي وهو واقف قدام المدرسة في أول يوم شغل ليا. كان موصلني بالعربية الفيات القديمة بتاعتنا، باسني على خدي وقالي يا فايزة، إنتي هتأكلي عيال كتير أوي النهاردة.
كان عنده حق. أكلت عيال 30 سنة. وبعدين أكلت عواجيز. وبعدين بنيت بيوت ل 120 عيلة اتقالهم إنهم مايقدروش يعيشوا بكرامة.
تليفوني نور. رسالة من مها تصبحي على خير يا ماما. شكراً إنك مايئستيش مني. هشوفك في المجمع بكرة. أستاذ مصطفى بيقول إني ممكن أكون جاهزة أمسك إدارة عمارة لوحدي على الصيف الجاي.
رديت تصبحي على خير يا حبيبتي. هكون هناك.
بصيت حواليا في شقتي الصغيرة. أوضة، وصالة، وشباك بيتهز كل ربع ساعة لما القطر يعدي. المكان ده فيه كل اللي محتاجاه. مش عشان هو كفاية، بس عشان هو بيفكرني إن الرضا اختيار.
لمدة 30 سنة، الناس كانت بتبصلي وتشوف طباخة، ست ب مريلة وشبكة شعر بتغرف بليلة وتمسح ترابيزات. افترضوا إني فقيرة. افترضوا إني جاهلة. افترضوا إن عشان إيدي ريحتها صابون مواعين، فأنا معنديش حاجة ليها قيمة أقدمها. وبنتي صدقت ده كمان. لحد ما فاقت.
المفرش ماكانش هو الهدية. العمارات ماكانتش هي الهدية. ال 280 مليون جنيه ماكانوش هما الهدية. الهدية كانت الدرس
قيمتك مش بتتحدد ب المسمى الوظيفي بتاعك. قيمتك بتتحدد باللي بتعمله في الساعات المكتوبة لك في الدنيا. ربنا مابيقيسش قيمتك ب قبضك آخر الشهر.
ولما كنت بقلب الحلة الساعة 5 ونص الفجر، هلكانة ومحدش حاسس بيا، ماكنتش أعرف إن ربنا بيبني
حاجة من خلالي. كل ساعة شغل
حلال، كل جنيه اتحوش، كل بيت اتبنى، كان بيستخدم إيدي عشان يستر ناس مالهاش حتة تانية تروحها. ربنا بيبتلينا مش عشان يكسرنا، بس عشان يورينا إحنا مين بجد. ولما بنتي رمت المفرش، ربنا كان بيكشفلي اللي في قلبها. ولما رجعت بعد 8 شهور مستعدة تبدأ من الصفر، كان بيوريني التغيير اللي حصلها.
ماتعملوش زيي. ماتخبوش حكايتكم عن الناس اللي بتحبوهم. ماتستنوش الخېانة والۏجع عشان تعلموا عيالكم الأصول. اتكلموا معاهم. خليكوا صُراحى. شاركوهم تعبكم قبل ما الأزمات تجبركم على الكلام. أنا كنت هخسر بنتي عشان اخترت السكوت بدل الحقيقة.
لو القصة دي لمستك، سيب تعليق. عمر حد حكم عليك من شغلتك؟ عمرك شفت حد بتحبه بيضيع نفسه في عيشة كدابة مش بتاعته؟ شارك الفيديو ده مع حد محتاج يسمع إن كل شغلانة حلال ليها كرامة؛ إن الطباخين والسواقيين وعمال النضافة هما اللي بيبنوا العالم اللي بقيتنا عايشين فيه.
شكراً إنكم كملتوا للآخر. وقتكم غالي، وأنا فخورة إنكم قضيتوه هنا. بعض تفاصيل القصة دي متغيرة عشان الحبكة الدرامية، بس العبرة حقيقية.
ربنا يبارك فيكم. وافتكروا دايماً.. ده مكنش مجرد حتة قماش قديمة، ده كان أصول وتاريخ
تمت بقلم مني السيد