الخرسه المبلمه


يحضنه.
قرب مني ووقف قدامي، مد إيده المرتعشة عشان ېلمس كتفي، بس اتراجع في آخر لحظة، كأنه خاېف أختفي أو أرجع أخرس تاني.
فريدة.. أنتي.. أنتي اتكلمتي؟ من امتى؟ ليه؟ صوته كان مبحوح، مليان تساؤلات سنين من السكوت المريب.
بصيت في عينيه مباشرة، لأول مرة، من غير ما أهرب بوشي أو أعمل دور البنت الهبلة. قلت بصوت هادي وعميق كنت بتعلم يا بابا.. بتعلم إزاي الغابة بتشتغل، وإزاي الذئاب بتتربص بالضعيف. كنت مستنية اللحظة اللي يفتكروني فيها أخيراً لقمة سهلة عشان أوريكم مين فينا فعلاً اللي بيحرك الخيوط.
حاول يتكلم، بس الكلمات خانته. كملت أنا ببرود شارلز كينج مش هيمشي دلوقتي، ده لسه هيقعد يراجع الحسابات اللي رميتها في وشه، وهيتأكد إن كل حرف قلته حقيقي. والنهارده، بدل ما يشترينا، هو اللي هيترجى مجلس الإدارة عشان نفتح معاه مفاوضات شراكة بشروطنا إحنا.
سبته واقف في مكانه، زي ما سابني سنين واقفة أتفرج على خيبته. دخلت مكتبي الخاص، اللي محدش كان بيدخله غيري، وفتحت اللاب توب. الدنيا كانت بتغلي بره، الموظفين كلهم عرفوا الخبر، الوريثة اتكلمت ووقفت شارلز كينج عند حده. التليفونات مبطلتش رن، والكل عايز يفهم الحكاية، بس كان فيه حاجة واحدة أهم من كل ده.
فتحت ملف سري كنت بحضر له من شهور، ملف بيضم كل التجاوزات المالية لولاد عمي، حمزة وليلى، اللي كانوا بيحاولوا يبيعوا الشركة من ورانا لشركات تانية عشان يضمنوا لنفسهم عمولات. طول السنين اللي فاتت، مكنتش مبلمة، كنت مراقبة. كنت بسجل كل حركة، كل غلطة، وكل خېانة.
الباب خبط، دخل حمزة، وشه كان أصفر ومحتقن، وشكله بجد كان مړعوپ. دخل وقفل الباب وراه، وقال بصوت مهزوز فريدة.. إيه اللي عملتيه ده؟ إحنا اتفقنا.. يعني.. قصدي.. إحنا كنا بنهزر!
بصيت له بابتسامة صفراء، زي ابتسامات المۏت. بتهزروا؟ طب إيه رأيك بقى في الهزار اللي في الملف ده؟ وشورت له على الشاشة. قرب وشاف الأرقام، والأسماء، والتحويلات البنكية اللي تثبت تورطه في اختلاسات مالية وتسهيل صفقات مشپوهة.
وقفت، واتحركت ناحيته ببطء، لحد ما وقفت قدامه مباشرة. الخرسة مش بس بتعرف تتكلم يا حمزة.. الخرسة بتعرف تشوف اللي أنت مفكر إنك مخبيه في الضلمة. من النهارده، مفيش أخت كبيرة بتسمع تريقة، فيه رئيسة تنفيذية بتفصل موظفين خاينين.
خرج وهو بيجر رجله، مش قادر ينطق حرف، عارف إن كارت اللعبة بتاعه اتحرق. قعدت على كرسي المكتب، وغمضت عيني لحظة. أخيراً، بدأت أعيش حياتي الحقيقية، بعيداً عن القفص الذهبي، وبعيداً عن دور الضحېة. دلوقتي، الكل هيعرف إن فريدة الشاذلي مش بس وريثة، دي هي اللي هتقود العاصفة، وبإيديها الاتنين.